رأي

عقوبات مزاجها عالي!؟ .. د. نهلة عيسى

أجدادنا لم يتركوا شيئاً لم يضربوا له أو به مثلاً, ولعل أبلغها ما قيل في باب “النحس” وقلة الحيلة, المصريون يقولون في ذلك: “قليل البخت يلاقي العضم في الكرشة”, والسوريون يقولون: “إذا فات حظك كلب أهلك بيعضك”!

والمؤكد أننا في سورية نعاني منذ سنوات طويلة من نهش وعض الغريب والقريب, ووصلنا مرحلة أننا نلاقي ليس فقط العظام, بل أيضاً الحسك والمناقير والأظافر في الكرشة, رغم أن معظمنا بات عاجزاً حتى عن شراء الكرشة!؟

لكن الجديد في حالنا المعضوض, رغم أنه متوقع, هو عقوبات “الكبتاغون” التي أقرها مؤخراً الكونغرس الأمريكي, وتنتظر توقيع (جو بايدن) من أجل أن تدخل مرحلة التنفيذ بزعم أننا دولة تسهل عبور المواد المخدرة, والتنفيذ يعني إحكام الطوق على أرض وسماء وماء سورية, وإقفال الطاقات الصغيرة جداً التي كانت متاحة لتهريب أقل ضروريات العيش, مما يعني حكماً مبرماً بالإعدام على السوريين, خاصة فيما يتعلق بالجوانب الدوائية والصحية المتداعية أساساً, مع غيرها من لوازم الطاقة والغذاء والإنتاج, وكل ما يمت لأبسط مقومات الحياة الإنسانية بصلة, جراء الحرب والعقوبات الأوربية أحادية الجانب, وتطبيق قانون قيصر!!.

وهذا يعني أن سورية, في ظل تفعيل المراحل المستجدة من السيناريو الأمريكي الغربي الممتد لتفكيك وإسقاط البلاد, سوف تغادر النفق الأسود إلى العدم, بلا حول ولا قوة, ولا حليف قوي قادر على سند الظهر, ناهيك عن سوء الأداء الحكومي الذي يقصم الظهر!!.

والمضحك المبكي في العقوبات الجديدة القادمة, أن أمريكا كعادتها تغض الطرف, بل وتشجع من الباطن, تجارة وتصنيع المخدرات في مناطق نفوذها ومحمياتها لخدمة وتمويل الميليشات العميلة عندها التي تخوض حروبها القذرة بالوكالة عنها, في فنائها الخلفي في دول أمريكا اللاتينية والوسطى, وأفغانستان, والعراق, والمناطق الجنوبية والشمالية الشرقية من بلادنا, بينما تعاقب السوري, بتهمة أنه مواطن في دولة عبور للمخدرات التي تحمي هي عبورها, وتستخدمها للصرف على عملياتها الاستخبارية والأمنية في كافة بقاع الأرض!.

وهذا ما ذكرني بمشاهد لا تنسى تابعتها في مطلع الألفية الجديدة في واحدة من دول أمريكا الوسطى, عندما كنت أقوم بتصوير وإخراج فيلم تسجيلي لصالح احدى قنوات التلفزة الفرنسية عن الهجرات العربية إلى القارة الأمريكية في زمن “السفر برلك” في نهايات الاحتلال العثماني للبلاد العربية, وكانت هذه الدولة الأمريكية لحظي التعس مثل حظ بلادي, تخوض حرباً أهلية ضروس جراء تدخلات ساسة البيت الأبيض الأمريكي, منذ ولاية “رونالد ريغان” الأولى وحتى ولاية “جورج بوش الأبن الأولى” زمن تصويري لفيلمي هناك.

وبالطبع, كما في كل الحروب التي تكون الولايات المتحدة الأمريكية سبباً وطرفاً فيها, كانت تجارة المخدرات جزءاً هاماً من مصادر تمويل الحرب الأهلية برعاية أمريكية, إضافة لكونها كانت توزع على المتحاربين مثل السكاكر لرفع سعير العدوانية لدى الطرفين لضمان استمرارية الجنون, كما كانت توضع في سطول الماء التي تشرب منها “البغال” لكي تصبح أكثر قدرة واحتمالاً على حمل السلاح إلى المرتفعات والجبال!!.

لذلك ولأن الشيء بالشيء يذكر, والحال شبيه بالحال, وما دامت أمريكا مصرة على تدهور حالنا, فواجب عليها أن توزع علينا “الكبتاغون” الذي تتهمنا به ولم نره, لكي نستطيع مثل …؟ احتمال عقوباتها ذات المزاج العالي!.

 

إقرأ أيضاً ..  مظاهرة ضد أسماء الإشارة ..

إقرأ أيضاً .. السير بالملابس الداخلية!؟ ..

 

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك  قناة التيليغرام  تويتر twitter

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى