شــيـطـنـة الأطـفـال .. كنّا نلعب فـأقدمتُ على شنق أخي! .. جيهان عصمت علي جان ..

|| Midline-news || – الوسط …
“هناك فرق عظيم بين شخص متشوق يريد أن يقرأ كتاباً،
وشخص متعب يريد كتاباً ليقرأه”
غلبرت كايث تشيسترتون – كاتب وفيلسوف إنجليزي
القراءة ومهما حلقت بنا نحو أعلى سماوات الاستمتاع، فهي أكثر من أن تكون متعة فقط، نحن نستمتع فقط بالأشياء التي تجلب لنا الراحة، وتخطفنا من ذواتنا التي تتيه بمصاعب الحياة بمختلف أشكالها، نحن نقرأ حتى نحيّا حياتنا وحيوات الآخرين، نتعلم من قصصهم، ونتجاوز أخطائهم، ننغمس في انجازاتهم، ونتخطى هفواتهم، وأجمل ما في القراءة أنها تزرع فينا أملاً بأن أمانينا ستتحقق يوماً ما.
والأطفال مثلنا، لا يختلفون عنا بشيء، حتى لو أن مشكلاتهم ومصاعبهم بالحياة تتمثل بالحصول على لعبة ما، فمن غير المسموح أن نستخف بمشكلاتهم، لأننا كنا أطفالاً يوما ما وتألمنا وبكينا كثيراً عندما لم نحصل على ألعابنا التي تمنيناها وكأن العالم انتهى بعدم امتلكنا لتلك الألعاب.
وكم خففت عنا القصص والرسوم المتحركة أحزاننا وكفكفت دموعنا.
جيلنا جيل قصص “المكتبة الخضراء” ..!
من منا لم ينشأ على سلسلة قصص “المكتبة الخضراء”، من منا لم ينهل العلم والمعرفة والحكمة من هذه السلسلة التي ما زالت تباع في مكاتب سورية (سعر القصة 300 ل.س) ولا ينافسها في حضورها إلا تلك القصص التي تعتمد على الصور(سعر القصة 1000 ل.س) والتي للأسف فشلت في بعض منها بتقديم المحتوى التعليمي والتربوي الذي قدمته قصص جيلنا، الجيل الذي كان محظوظاً بأنه طفولته كانت آخر جيل لم يلوثه رسوم الكرتون المليئة بالعنف والأذية البصرية والقصص التي تشوه القيم التي تربينا عليها.
لماذا يجب أن نقرأ لأطفالنا ..؟!
لأن القصص تساعد على..
- غرس القيم وتعديل السلوك بعيدا عن الوعظ المباشر، فالقصة تشد انتباهه ويقظته الفكرية والعقلية، الطفل يعيش مع أبطالها لتأتي فرصة الأهل لعلاج وغرس قيم بداخله.
- إدراك الأمور المجردة : هناك معاني يعجز الآباء في تعليمها للأطفال مثل الإيمان ،الإخلاص، الحب، التفاؤل، العطاء ..إلخ، ومن هنا تأتي القصة حيث تقرب هذه المعاني والمفاهيم بصورة مجسدة حيّة.
- تنمية التركيز والانتباه : فالقصة تساعد الطفل على الإصغاء والقدرة على التركيز والانتباه.
- تنمية ثقافة الطفل : أغلب القصص تحمل أفكارا ومعلومات علمية وتاريخية وفنيه وأدبية وغيره، بالإضافة إلى اكتساب ثروة لغوية.
- وسيلة غير مكلفة : فهي نشاط ترويحي وترفيه غير مكلف. (نقلاً عن متخصصين في قصص الأطفال)
ما مناسبة الحديث ..!
“ما من شيء إلا وله سبب”، مناسبة هذه المقالة أنه مؤخراً وقعت بين يدي قصة يفترض أنها قصص للأطفال من فئة ما قبل النوم، لكن إذا ما عرضت عليكن بعضاً من فقرات هذه القصة ستستنتجون أي جيل مشوه من الأطفال يصنعهم بعض الكبار غير المسؤولين بأيديهم القذرة وأفكارهم المشوهة..
أعذروني إن لم أذكر اسم القصة أو دار النشر الصادرة عنه، لأن هذا ليس موضوعنا، المهم هنا أن نسلط الضوء على التشويه الذي قد تنقله بعض القصص إلى أطفالنا، وينطبق الأمر على الرسوم المتحركة أيضاً.
ورد في القصة “التنافس على قطع شجرة”، الشجرة دائما رمز للعطاء والخير والبركة، وقطع الشجرة قطع للحياة التي تمدنا به، فهل يجوز أن أعلم الطفل أهمية الحفاظ على الشجرة في الكتب المدرسية، ثم في القصص أشغل فكره وخياله بالوسائل الممكنة لقطعها.
وورد أيضاً” عقاب من يفشل (في قطع الشجرة) قطع الأذنين، وسال الدم غزيراً من أذنيهما بعد قطعهما”. كيف أروي هذه القصة لطفل قبل النوم دون أن أتسبب له بالكوابيس، بالأخص الطفل السوري الذي كان شاهداً على فظائع الحرب ودمويتها، هل هكذا نكافئه قبل النوم؟!
وورد أيضا” عصب الطبيب عيني المرأة العجوز وسرق كل ممتلكات منزلها”، في هذه الفقرة نشاهد تشويهاً لأنبل مهنة على وجه البسيطة، الأطفال ودون أن تروى لهم قصص من هذا النوع يخافون الذهاب إلى الطبيب، هذه القصة تعزز مخاوفهم وكرههم للأطباء وتقدم لهم العذر لعدم الالتزام بتعليماتهم على طبق من ذهب.
حادثة شخصية ..!
أعلم أن كثيرين منكم سيقولون الآن ” أطفال اليوم لن يؤثر بهم لا قصة ولا رسوم متحركة، إنهم جيل الآيباد”، الطفل اليوم هو الطفل بالأمس، سيتأثر بالوتيرة ذاتها بأي شيء يشاهده سواء كان في صور قصص الأطفال أم على شاشة الآيباد.
لم يكن عمري يتجاوز السادسة عندما أقدمت على شنق أخي الذي يصغرني بسنتين “عيسى” بالاتفاق معه بعد أن أردنا تقليد إحدى المشاهد التي رأيناها على التلفاز، وكنا أنا وأخي مقتنعان أنه لن يموت لأنه صغير جداً على الموت، كنا نلعب بعنف لا أكثر، وشاء القدر أن تتدخل أمي بالوقت المناسب وتنقذ أخي وتنهي لعبتنا التي كانت قد تؤدي بنا إلى كارثة.

للأمانة .. شكراً للهيئة العامة السورية للكتاب !..
نشر مؤخراً الشاعر الفلسطيني صالح هواري (1938) مسرحية للأطفال بعنوان الشبح والصياد (النسخة بــ500 ل.س) مليئة بالدروس والعبر التي نستطيع أن نغرسها في فكر الطفل بجمل بسيطة ولغة شفيفة واضحة، قبل أن أتحدث عن الفكرة الرئيسية للمسرحية أريد أن أطلعكم على الأفكار الثانوية فيها.
سلط هواري الضوء في مسرحيته إلى أهمية أن يثابر المرء على العلم دون أن يضع العمر عائقاً أمامه من خلال شخصية أم خالد ودروس محو الأمية، كما سلط الضوء على الصيد غير المشروع والذي يهدد الكائنات الحيّة بالانقراض، ويحرم الأجيال القادمة من خيرات الطبيعة التي ليست حكر لجيلنا فقط، من خلال تنبيه أبو خالد لابنه خالد من عدم صيد الأسماك في الأشهر التي تضع فيها بيوضها، وركزت الحبكة الرئيسية للمسرحية على أن الفقر والحاجة لا يعطيان المبرر للإنسان لأن يرتكب الانتهاكات بحق أخيه الإنسان.



