المُصالَحَة .. حَقيقَةٌ مَوضوعيَّة .. يزيد جرجوس

فيما تَتَكَسَّر آخر أمواج الهجوم العنيف والتّاريخي على سوريا، وانقلاب الأمور والتّوجهات إلى ما يبدو أنّه نحوها، تستيقظ الأسئلة المؤلمة والمُعَبَّأة بالحسرات وإرهاصات دروس الماضي القريب والبعيد لدى السوريين، وخاصة أولائك الذين تكويهم الخسارات التي لم تجد لها بلسماً شافياً واضحاً على الصعد الشخصية والمعيشية، وهذا موقف إنساني يستحق التفهم والاحترام، لا بل هو الأهم والأحق ربما في البحث فيه وفي إلقاء الضوء الجامع الشافي على انعكاسات الألم والأمل في حياة السوريين، وتلك الآفاق التي تحملها المتغيرات، وأيضا التي يجب أن توضع على طاولة العمل فيما يخص عودة الجمهورية العربية السورية إلى مكانتها ودورها من خلال إمكاناتها ومكامن الخير والقوة فيها.
التحولات السياسية العميقة أو ذات الطابع “الانقلابي” تستعصي على الفهم لدى الناس، ليس لعيب في مستوى الفهم، ولكن لفرط في معدل الاستنفار الشعوري الناتج عنها، وهي تتخذ لنفسها ذلك الطابع المتجرد عن مشاعرهم غير المبالي بها، وعلى كل حال ليست معنية بذلك، فالسياسة وأمور العلاقات الدولية عندما تسير في ركب صناعة التاريخ والأحداث لا تكون مهمتها الأولى رصد مشاعر الناس وآلامهم، وإن كان يمكنها أخذها بعين الاعتبار (وهذا ما تفعله هذه الأسطر) ولكنها تسعى لصناعة الواقع والتأثير فيه، وصياغة التطورات وأساليب مواجهتها بحيث يكون أكبر نجاحاتها لدى دولة معينة أو كيان سياسي ما، هو قدرتها على استعادة المبادرة والعودة بنفسها إلى ما قبل تعرضها للحرب أو الاعتداء، عبر احتواء الهجوم وامتصاص آثاره، ثم تحييد الخصوم والأعداء وفرط عقدهم، لا والأجدر بها أيضا استعادة العلاقات الطبيعية معهم إذا استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وفي معرض حديثنا هنا عن الحالة السورية تحديداً ومواجهة الدولة والمجتمع السوريين مع بعض السوريين الذين تمردوا عليهما ومع بعض الدول العربية وغير العربية التي أعلنت الهجوم على سوريا أو القطيعة معها منذ عام 2011 الأكثر شؤماً في تاريخ سوريا ربما، يلزمنا أن نعود لأصل الخلاف مع كل هؤلاء، حتى نفهم كيف يمكننا استعادة التوازن إلى ما قبل ذلك العدوان.
إن الأصل في مشكلة السوريين مع المتمردين ومع الدول المعنية والداعمة لهم، هو وقوف هؤلاء ضد الدولة السورية ومحاولتهم تدميرها وتالياً تهشيم المجتمع وتشتيته، وتحويلهما إلى كيان أو كيانات هزيلة تفتقر للمشروع الحضاري، وتقبع في سراديب مشاريع التدمير الذاتي، من هذا الفهم يمكننا تحديد أهداف المواجهة التي قادتها الدولة والتي يمكن توصيفها واختصارها بِرَد العدوان واستعادة وضعها قبل الاعتداء، وفي سبيل ذلك توجب عليها إنهاء حالة الاعتداء وليس محاسبة المعتدين بمنطق الانتقام بالضبط، فهذه مهمة تتعلق بصناعة التاريخ كصيرورة تسير للأمام وليس بتحويله إلى فخ للقتال والتدمير المتبادل، ناهيكم عن النقطة الجوهرية التي لا يمكن إغفالها وهي حقيقة الأحجام والأدوار الممكنة هنا وهناك، برغم براغماتية ذلك، ولكنه لا يمكننا القفز فوقه كحقيقة أثناء صناعة القرار والتاريخ.
لذلك وجدنا الدولة السورية ومنذ الشهر الأول للحرب عليها كانت ترحب بتراجع كل فرد أو جهة أو دولة عن موقف العداء تجاهها، فهي كانت تدرك أن مهمتها استعادتهم وليس معاداتهم، فالدولة واقعياً تعمل بعقل لا عواطف فيه، وهي تدرك مصلحة شعبها ومستقبله ليس برؤية الأفراد أو الجماهير ولكن بمنظور المؤسسات والجيوش، وهذه تدرك تماماً ووفق المعطيات وحقائق التاريخ أن “خير وسيلة للقتال هي أن لا تقاتل” كما قال المفكر الصيني الكبير (سن تزو) منذ عدة قرون في كتابه الشهير “فن الحرب” الذي تستلهم منه كل الدول والمؤسسات العسكرية والحاكة حول العالم إلى يومنا هذا، فالعداوات زائلة ومتبدلة أما الدول والشعوب والمصالح فهي مثل الجغرافيا باقية لا تزول.
في معرض قراءة المواقف المتبدلة للدول التي عادت إلى سوريا وللأفراد السوريين الذين تمردوا على دولتهم، لا يسعني إلا التمييز بين هذي وتلك، تمييز يوضح عمق الفكرة المذكورة أعلاه حول كون الدول عاقلة تتصرف بدون مشاعر وهي لا تخجل أيضاً من تبديل مواقفها، ولا تجد نفسها مُحرجة ولا مجال للعناد في مواقفها الظرفية، بينما الأفراد لا يملكون تلك الحصانة تجاه ما يشعرون به، كما وأنهم تزخر مواقفهم بالعناد والمكابرة، لذلك وجدنا قدرة أكبر لدى الدول في مراجعة موقفها السابق من سوريا، بينما يبدو على بعض السوريين التشبُّث بموقفهم الذي يَدَّعي “الثّورة” حتى بعد أن أصبح ذلك مدعاة للتنَدُّرِ والدعابة، على ما فيها من الألم فقد تسببت تلك الهجمة الشرسة على الدولة والمجتمع بخسارات على الصعيد الوطني والفردي، لم يعد بالإمكان إحصاؤها، ولكن ما يهمني هنا هو التّأكيد على أن مواقف هؤلاء القلة من السوريين لم تعد ذات أهمية بشيء طالما أن الدول التي حرَّضت ورَعت ووجهت تمردهم قد أصبحت في مورد آخر غير موردهم، كما أن موقفنا كسوريين من هؤلاء أو من تلك الدول يجب أن لا يخرج عن سياق حركة التاريخ التي لا بد أن تسير بغض النظر عن التفاصيل، فالأهداف العامة هي التي تحكم المشهد.
هنا يطرح السؤال نفسه عن هذه العودة المحمودة للدول العربية وغير العربية إلى سوريا، وتزاحم استحقاقات الزيارات والدَّعوات والبيانات التي تَتَّسِمُ جميعها بتلك الرّغبة الواضحة بطي صفحة الماضي بكل ما فيها من الاستعداء والخطابات المتشنجة المتبادلة، فهل تكون “العودة للعلاقات الطبيعية” وحدها عنوانا ذا مضمون كافٍ للمرحلة القادمة، بحيث تشتري تلك الدول سمك تصفير مشاكلها، وتهدئة الأجواء مع الحليفين الكبيرين لسوريا (روسيا والصين) وتترك سوريا نهباً لآثار الحرب المدمرة؟! يبدو أن روسيا والصين وضعتا سوريا دائماً على طاولة المفاوضات والمناقشات مع تلك الدول، وإن كان ذلك غير ظاهرٍ لِعامّة الرأي التي تتوق لرؤية النتائج، وليس تصريح الرئيس الروسي (يوم5.4.2023) بأن “سوريا هي شريكنا الموثوق وحليفنا في العالم العربي” إلا تسريباً مدروساً وواضحاً لجهة الطلب من الدول الساعية للدخول إلى مساحة صناعة العالم الجديد، بأن تُراعي ذلك عند تقديم أوراق اعتمادها، فالعالم الجديد الذي تبنيه دول الشرق والجنوب، لن يكون مقبولاً ولا معنى له، إذا ترك دولاً محسوبة عليه ومحورية فيه جيواستراتيجياً وتاريخياً، مثل سوريا التي دفعت الثمن الأكبر في مواجهة وإفشال مخططات القوى الغربية الهادفة لإجهاض ولادته، عُرضَةً للمزيد من الحِصار والتَّهميش، إن فحوى وكرامة هذا المارد الذي يولد من الشرق ترتبط ارتباطاً عضوياً بكرامة ووجود سوريا الحرة والقوية، لذلك فإن “عودة” العلاقات الطبيعية مع سوريا لن يكون لها وزن نوعي مفيد إذا لم تكن في سياق دعم سوريا في استعادة مقدراتها الجغرافية والبشرية، فالسّياسة هنا تُصرف في الميدان وإلا لا قيمة لها، كما أنه لا يجب لسوريا أن تسقط في خدعة “الاستثمارات الخارجية” فتلك وخلافاً لما روجه لنا الغرب على مدى عقود ليست “معيار كفاءة الدول” ولكنها مقياس نجاح الدول المهيمنة في امتصاص خيرات هذا البلد أو ذاك، فالاستثمارات تسعى نحو الاستفادة من أرض الإنتاج التي تدخل إليها لا الإفادة، من هنا فإن سوريا بحاجة تحرير مقدراتها الجغرافية والمالية لتقوم هي بإعادة النهوض والإعمار والاستثمار، وتأتي خطوات كإعادة المملكة العربية السعودية لطائرتين سوريتين في هذا الاتجاه الصحيح، ولكن ذلك ليس كل شيء.
إنّ أهم ما يلزَمُ سوريا في المرحلة القادِمة هو استعادة الجغرافيا في الشّمال والشّرق، حيث خيراتُها المنهوبة ومواطنوها المتروكون، ولِيَكُن ذلك عنواناً للمصالحة مع الدول التي بادرت هي لمقاطعة سوريا، ومع المواطنين الذين تاهوا في غياهب التحريض والاستجابة للغريزة، فالمصالحة بالفعل تُشَكِّلُ حقيقة موضوعية، ولكنها لكي تكون كذلك وحتّى تأخذ حَيِّزها التّاريخي المنطقي، يجب أن تُبنى على تلبية حاجات ومصالح الشّعب السّوري الذي قدَّم الغالي والرَّخيص في سبيل الوصول إلى هذا الاستحقاق الوطني العَتيد.
إقرأ أيضاً .. ابن خلدون .. العرب والمسلمون
إقرأ أيضاً .. سلمان رشدي وفتنة “الرأي المشروع” ..
كاتب وباحث – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب



