رأي

الحي القتيل!؟ .. د. نهلة عيسى

منذ الصباح, بل في كل صباح, لا شيء يجول في خاطري على وقع خروجي من محاضرة لأدخل في أخرى, سوى قصيدة للشاعر الفلسطيني الكبير (ابراهيم طوقان) كنت قد قرأتها منذ زمن طويل, وبقيت في ذاكرتي لشدة واقعيتها بالنسبة لنا نحن المعلمون, وطرافتها, وبساطة كلماتها, ومعارضتها لقصيدة امير الشعراء (أحمد شوقي) الشهيرة عن المعلم, والتي يقول مطلعها: قم للمعلم وفه التبجيلا … كاد المعلم أن يكون رسولاً.

وقد عارض طوقان قصيدة شوقي, وفند ما فيها بيتاً تلو الآخر, مظهراً ببلاغة لا متناهية مشاق مهنة التعليم, وعناء التعامل مع الطلاب, وضآلة العائد المادي والمعنوي المتأتي عن كل هذا الكرب, ثم ختم قصيدته ببيت قال فيه بما معناه: لو جرب شوقي التعليم يوماً, لخرَ بين المقاعد قتيلاً!.

طوقان كتب قصيدته هذه, في زمن ممارسته مهنة التعليم في ثلاثينات القرن العشرين, أي عندما كان العلم ما يزال عزيزاً, جليلاً, مرغوباً, وسلماً للترقي الاجتماعي والمادي, وكان المعلم في ذلك الزمان, مُهاباً مُطاعاً, قائدَ فكر, ومقصد الناس ومحط احترامهم.

فماذا نكتب نحن الذين نعيش زمناً, أصبحت فيه السفاهة أهم كاتبة قصصية وروائية في بلادنا, وبات الرشاش ومن خلفه القناص أمير شعراء الوطن, والغثاثة قائدة الاوركسترا الوطنية, والعبوة الناسفة أغنية رومانسية, وبعض الطلبة قادة جماعات تكفيرية, يتقدمون لامتحاناتهم في أوقات فراغهم من التكفير, وينالون شهاداتهم بحراسة ” الحق بالتعلم”!؟.

ماذا نكتب نحن الذين تحول طلابنا الى خصوم رأي ودم, قبل أن يتعلموا معنى الرأي وحرمة الدم, بل قبل أن يجيد أحدهم كتابة القاف, ويتوقف عن استبدال الهمزة بها, وعن جرجرة سيبويه من قبره مذعوراً مقهوراً, وهو يستمع لقراءاتهم تعجن النحو والصرف في مقلاة الدلع والغنج واللامبالاة, فتصبح الصاد “سيناً”, ويصبح المرفوع “مجروراً”, والحرف المشبه بالفعل “فاعلاً”, وحرف الوجوب, حرف امتناع, والمتنبي رجل أعمال!؟.

ماذا نكتب, والعلم بات كاليتيم على مائدة اللئيم, ولم يعد سلماً ولا كرسياً, ولا حتى موطئ قدم لراغب في الترقي على أي صعيد, لأن المال أصبح هوية ومكانة وقيمة ووجاهة, ولو بمحو أمية, والواسطة صاروخ عابر للمناصب من أدنى إلى أعلى, بغض النظر عن العلم والكفاءة واللياقة والأحقية!؟.

ماذا نكتب لنعارض طوقان, وطوقان شبيه زرقاء اليمامة, أبصر في رماد وعد بلفور, حرائق زمننا هذا, ونعى في زمن الوفاء, الأوفياء, وحذر في زمن الكتاب في اليد متوجاً باسم لزوميات المعري, ونسبية اينشتاين, ورأسمال ماركس, ومدنية ابن خلدون, من زمن كتب الأرصفة, عناوينها: استخراج الشياطين, وتحضير الأرواح, وروايات عبير, وتعلم الإنكليزية في خمسة أيام!؟.

ماذا نكتب, وشاشات التلفاز التي يحتلها ملوك الطوائف والنافخين في رماد التعصب, ومواقع التواصل الاجتماعي التي يتسيدها الغوغاء والرعاع وصبيان بن لادن وعبيد المال, أصبحت هي المعلم والهادي والمرشد والقدوة, والبديل عن انتماء, الدفاع عنه يكلف الكثير, بينما العيش في قفطان معلمي العصر الحديث, يعد بالكثير لقاء أقل القليل!؟.

ماذا نكتب, وصورة المعلم على شاشاتنا وفي مسلسلاتنا, إما فاسد, أو ساذج, أو أحمق أحادي الرؤية, والطالب المشاغب, الفوضوي, الفاشل, محبوب, مرغوب, دمه خفيف, وصاحب قضية!؟.

ماذا نكتب, لا شيء لنكتب, وكل شيء لنخاف, نحن القابضون على الجمر, نرتِّق فتقاً, فترمي في وجهنا فضائيات الجهل ألف فتق وثقب, نرمم عقلاً, فيحاربه الناس بالسخرية والتهكم, نحتمي بالعلم, فنوصم بالتخلف, نمارس دور الناصح المتخصص, فيطالبنا الجهلة وعديمي الموهبة, بعدم التدخل فيما لا يعيننا (على حد زعمهم ووهمهم), فنصمت حسرة, حيث لا رأي لمن لا يطاع, فنتهم بالجبن والتخاذل!؟.

ماذا نكتب, بل ماذا نفعل, هل نطالب بعودة زمن كان فيه العلم سيداً, وأم كلثوم أوصدت الباب بقولها: قل للزمان أرجع يا زمان, أم نغطي الجرح بالملح, ونكتفي بقول رب كريم: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟. عيد مبارك لمن يعلمون ..

 

إقرأ أيضاً .. وناسة البنزين!؟ ..

إقرأ أيضاً .. مكانك تحمدي أو تستريحي ؟..

*أستاذة جامعية – سوريا

المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك  قناة التيليغرام  تويتر 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى