أردوغان ..الامبريالية الجديدة بنكهة إسلامية (ج1) – معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى

|| Midline-news || – الوسط …
يُعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واحداً من أكثر القادة المثيرين للاهتمام في تاريخ الجمهورية التركية. فعلى مدار العقدين الماضيين، انفصل تدريجياً عن نموذج السياسة الخارجية لكمال أتاتورك الذي تمحور حول الغرب وتوخّى المصلحة الذاتية، وتبنّى، بدلاً من ذلك، سياسة خارجية نشطة وقائمة على الامبريالية الجديدة. ووفقاً لذلك وجّه تركيا نحو الشرق الأوسط من أجل بسط النفوذ على سياسة المنطقة. وإذ غالباً ما أُطلق عليها تسمية “العثمانية الجديدة”، تقوم السياسة الخارجية لأردوغان تجاه المنطقة على اعتقاده بأنه يمكن لتركيا أن تصبح قوة عظمى إذا أصبحت رائدة في الشرق الأوسط أولاً.
وفي الداخل، عزّز أردوغان سلطته بينما جرّد الجيش التركي العلماني من صلاحياته، مقوّضاً في خضم ذلك إرث أتاتورك العلماني في البلاد. ففي مجموعة من المحاكمات بين عامي 2008 و 2011، عُرفت معاً باسم محاكمات “إرغينيكون”، سَجن أردوغان ما يقرب من ربع جنرالات تركيا بمساعدة النيابة العامة والشرطة التي اصطفت إلى جانب حركة السياسي الإسلامي فتح الله غولن، حليفه في ذلك الوقت. وخلال صيف عام 2011، استقال كبار ضباط الجيش التركي بشكل جماعي، مقرّين بفوز أردوغان (وغولن). وفي ذلك الوقت تقريباً في عام 2010، نجح أردوغان في استفتاء بمساعدة حلفائه في “حركة غولن” [“الحركة”]، مما منحه صلاحيات في تعيين غالبية القضاة في المحاكم العليا في البلاد دون إجراء عملية إقرار.
وعلى الرغم من نشوب صراع جديد على السلطة في وقت لاحق بين أردوغان وغولن في مطلع العقد الحالي (2010) – ذلك الصراع الذي تُوّج بمحاولة الانقلاب التي قادها أتباع غولن ضدّ أردوغان في أوائل تموز/يوليو 2016 – زادت ثقة أردوغان بشكل كبير في نفوذه محلياً. وخلال الانتفاضات العربية المتزامنة، تطلّع إلى الشرق الأوسط ليُبرز نفوذ أنقرة في المنطقة.
وخلال بداية الانتفاضات العربية، بدا أن حظوظ أنقرة تزداد بالفعل في أرجاء هذه المنطقة ذات الأغلبية العربية. وبعد سقوط نظام حسني مبارك في مصر، سارع أردوغان (رئيس الوزراء آنذاك) لبناء نفوذ في القاهرة، ثم في عواصم إقليمية أخرى. وفي ذلك الوقت، وضع كل رهاناته على محمد مرسي، إسلامي سياسي زميل مرتبط بجماعة «الإخوان المسلمين» وكان مرشحاً للرئاسة في مصر [توفي في قفص الاتهام في 17 حزيران/يونيو 2019]. ولاحقاً، اكتسب أردوغان نفوذاً كبيراً في القاهرة بعد وصول مرسي إلى كرسي السلطة في مصر في حزيران/يونيو 2012. غير أنه عقب الإطاحة بالرئيس مرسي من قبل الفريق أول عبد الفتاح السيسي في صيف عام 2013، خسر أردوغان بين عشية وضحاها مكاسبه التي حققها في مصر بصورة كاملة تقريباً.
ومن الغريب أن أحداث “الربيع العربي” – وبالتحديد الإطاحة بمرسي من خلال اندلاع حركة احتجاج شعبية مدعومة من الجيش – كان لها صدى قوي في السياسة الداخلية التركية وذلك من خلال توجيه تفكير أردوغان باتجاه المعارضة. وفي أيار/مايو 2013، سرعان ما أصبحت الانتفاضة الشعبية في إسطنبول – عُرفت باسم “حركة حديقة جيزي” – والتي تظاهرت ضدّ إقدام حكومة أردوغان على تدمير منتزه تاريخي، مصدراً للتعبئة الجماهيرية ضد الزعيم التركي. وكان الخوف لا يزال يعتري أردوغان من أن تتّم الإطاحة به هو أيضاً عن طريق انقلاب عسكري، على الرغم من أنه كان قد حيّد “القوات المسلحة” التركية. ويعود سبب ذلك إلى عيش أردوغان في خوف دائم من إمكانية عودة الجيش التركي – الذي كان قوياً ذات مرة – إلى الحياة السياسية. وبدا أن أسوأ كوابيسه أصبح حقيقة – تماماً كما تصوّره – في صيف عام 2013، بينما كان مرسي يخسر نفوذه من خلال مكائد حركة الاحتجاجات الشعبية المدعومة من الجيش المصري. وخشيَ أردوغان من أن ما حدث لمرسي كان على وشك أن يحدث له أيضاً، وبالتالي قمع بعنف التجمعات المناصرة لـ “حديقة جيزي”.
وقد أدّى العنف الذي اتسمت به عمليات القمع إلى تسميم السياسة التركية، مما تسبّب بحدوث صدع بين نصفيْ البلاد: النصف الأول الذي يجلّ الزعيم التركي ويعتقد أنه لا يخطئ، والثاني الذي يبغضه ويعتقد أنه غير قادر على القيام بأي شيء صائب. وأدت الأزمة التي أعقبت ذلك إلى حدوث توترات محلية عميقة، استنزفت طاقة تركيا وقوّضت قدرة أنقرة على بسط نفوذها السياسي بالكامل في الشرق الأوسط.
وهكذا، في عام 2013، تحوّلت تركيا من كونها دولة رائدة محتملة في المنطقة إلى دولة غارقة في مشاكلها الداخلية الخاصة. وفي الوقت نفسه، فإن نهاية مرسي [كرئيس مصر] وغيره من القادة والحركات المرتبطين بجماعة «الإخوان المسلمين» في الشرق الأوسط والمدعومين من أردوغان قد تركت أنقرة شبه محرومة من أي حلفاء أو أصدقاء في المنطقة. وبشكل أساسي، توقفت الطموحات “العثمانية الجديدة” الكبرى لأردوغان بأن يرسم معالم الشرق الأوسط انطلاقاً من إسطنبول – حيث غالباً ما يعمل في مكاتب داخل قصور تعود إلى العهد العثماني.
واليوم، أصبحت أنقرة شبه معزولة في الشرق الأوسط. فباستثناء قطر، ليس لتركيا أصدقاء أو حلفاء في المنطقة. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا، كيف انتهى المطاف بأنقرة وحيدة إلى هذه الدرجة؟ ما الخطأ الذي حدث، وما هو سبب “الخريف العربي” الذي يعيشه أردوغان؟
تجاوز وجهات النظر التركية العنصرية تجاه العرب
هناك واقع لا يعرفه الكثيرون عن تركيا: ثمة انتشار كبير لوجهات النظر العنصرية تجاه العرب المتأصلة في الثقافة الشعبية في البلاد. ومن دون قصد، إن العديد من الأشخاص خارج الشرق الأوسط غالباً ما يربطون الأتراك بالعرب بسبب الإسلام، وهي ديانة يتشاطرها غالبية العرب وأكثرية ساحقة من الأتراك. وعلى الرغم من إيمانهم المشترك، إلا أن العديد من المواطنين الأتراك يُضمرون مشاعر عنصرية تجاه العرب، والقليل منهم يرغبون في الارتباط بالثقافات العربية.
إن بعض هذه الآراء راسخة في التاريخ التركي المعاصر. وفي هذا الصدد، سلّط انهيار الإمبراطورية العثمانية الضوء على العلاقة بين المواطنين الأتراك وجيرانهم – وفي هذه الحالة العرب. وفي ظل اندحار هذه الإمبراطورية في أوائل القرن العشرين، انتشرت موجة من القومية العربية في محافظات الشرق الأوسط، وخاصةٍ في سوريا. وخلال تلك الفترة، تبنّت حركة “تركيا الفتاة” التي كانت [مسؤولة عن] إدارة الإمبراطورية، القومية التركية على نحو متزايد. وعلى وجه التحديد، قاد جمال باشا – أحد زعماء “تركيا الفتاة” الذي تمّ تعيينه حاكماً على سوريا في عام 1915 – موجة من الاضطهادات طالت قادة قوميين عرب في عام 1916. وأمر بإعدامهم، بمن فيهم 7 في دمشق وآخرين في بيروت. وحتى يومنا هذا، تُعرف ساحة رئيسية في العاصمة اللبنانية باسم “ساحة الشهداء” لتكريم القوميين العرب الذين أُرسلوا إلى حبل المشنقة. ويُعرف قائد “تركيا الفتاة” على نطاق واسع باسم “جمال باشا السفاح”.
وخلال الحرب العالمية الأولى – حين توقعت بريطانيا العظمى سقوط الإمبراطورية العثمانية ووضعت خططاً لإعادة رسم معالم الشرق الأوسط من أجل الحفاظ على سيطرتها على الطرق البحرية الاستراتيجية المؤدية إلى الهند – تودّدت بريطانيا إلى القادة العرب في المنطقة خلال سعيها لكسب النفود. وبرز هنا صانعو سياسة وجواسيس بريطانيون، بمن فيهم لورنس العرب الذي اندمج مع القادة العرب، وأبرزهم العائلة الهاشمية في مكة.
واقتناعاً منهم بأن البريطانيين سيقدمون لهم دولتهم المستقلة الخاصة بهم، ثار الهاشميون وأتباعهم المحليون ضدّ العثمانيين في تمرّد انطلق عام 1916 من سوريا إلى اليمن (والذي رد عليه كمال باشا ورفاقه بالعنف والانتقام). وعلى الرغم من اضطهاد الزعماء القوميين العرب في ظل الحكم العثماني، إلّا أن هذا الإرث من “الخيانة” من قبل العرب تجاه الإدارة في إسطنبول العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى ترك ذكرى مريرة في أذهان الأتراك. وحتى يومنا هذا، تُعتبر “رثاء اليمن” الأيقونة الثقافية الأشهر التي يخلّد من خلالها الشعب التركي معارك الحرب العالمية الأولى، وهي رواية محزنة تروي قصة جندي من الأناضول لقيَ حتفه في اليمن وهو يحارب العرب. وقد تمّ تعليم أجيال من الأتراك، بمن فيهم أردوغان، في المدارس التركية خلال القرن العشرين بأن “العرب طعنوا الأتراك في الظهر”، وقد اكتسب بعضهم على الأقل وإلى حدّ كبير ميولاً قومية معادية للعرب.
وقد واجهت الإمبراطورية العثمانية أوروبا خلال عدة قرون، وعاملت ممتلكاتها في الشرق الأوسط كملحقات في الغالب. يُذكر أن أغلبية ساحقة من كبار الوزراء الذين ناهز عددهم 300 “وزير أكبر” (رتبة سياسية على مستوى رئيس الوزراء) والذين خدموا في ظل حكم السلاطين في إسطنبول انحدروا من البلقان والقوقاز. وكان معظمهم من الألبان والأرمن والبوسنيين والبلغاريين والشراكسة والجورجيين واليونانيين والصرب. كما أن قائمة الرتب السياسية بدرجة “وزير أكبر” تضمنت عدداً بعيد الاحتمال من الإيطاليين والأوروبيين الغربيين. ومع ذلك، فإذا ما استثنينا أولئك الذين لا يزال يتعذّر تعقّب أصولهم العرقية، فإن العربي الأول محمود شوكت باشا، لم يتسلّم السلطة إلا في كانون الثاني/يناير عام 1913، أي قبل خمس سنوات تقريباً من انهيار الإمبراطورية التي دامت ستة قرون. يتبع
سونر چاغاپتاي هو زميل “باير فاميلي” ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن.



