مات وحيدًا على فراش بارد في محطة قطار.. رحلة ليو تولستوي من المجون إلى الزهد!

|| Midline-news || – الوسط …
يقترب من غرفة ابنته التي أعدت كل شىء فتبادره بقولها: – أبتي!.. ألا زلت مصراً على ضرورة ما أنت مقدمٌ عليه؟
– ساشا، لن نناقش هذا من جديد، يجب أن نسرع قبل أن تشعر أمك بما يحدث،تعالي ساعديني في حزم الأمتعة
هذا الموقف ليس مشهدا من مسرحية عبثية ولا دراما روائية.. ولكنها اللحظات الأخيرة للكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي في بيته حيث قرر الرحيل بلا عودة هائما علي وجهه لا يعرف إلي أين سيذهب ولا كيف سينتهي به المقام.
وكتب تولستوي لزوجته صوفيا رسالة يخبرها فيها عن قراره بالرحيل قال فيها:
“حبيبتي صوفيا. أعلم أنك ستتألمين كثيراً لرحيلي، وأنه ليحزنني ذلك أشد الحزن، ولكنني آمل من كل قلبي أن تدركي الأسباب التي تدفعني إلى ذلك الرحيل، ولم تكن أمامي وسيلة سواه لتلافي مأساةٍ قد تكون مفجعة!
لقد غدا وضعي في هذا البيت غير محتمل يا صوفي! لم أعد قادراً على ممارسة الحياة اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي، وبات الثراء يخنقني! وقد طال صبري على هذا! حتى انقطع رجائي في مزيد من الصبر.
يقيني شر اليأس من عالمٍ تشهيّته كثيراً، كما يتشهاه كل عجوزٍ بلغ السن التي بلغت! وما أنشده هو عالمٌ من السكون والوحدة، لا يفسده ضجيج المال، وأنانية الثراء، ووحشية الرغبة في التملّك! أريد أن أقضي الأيام المتبقية لي من العمر في سلام“.
أرجوك يا صوفيا، لا تحاولي البحث عن مكاني الذي سأذهب إليه، من أجل إعادتي إلى إيزيانا/ بوليانا، فإن هذا لن يفيد أحداً شيئاً، بل سيزيد تعاستنا جميعاً، كما أنه لن يغيّر من عزمي على الرحيل، وإني لأشكرك كل الشكر على الثمانية والأربعين عاماً من الحياة الأمينة الكريمة التي أسعدِتني بها! وأتوسل إليك أن تغفري لي كل ما ارتكبت من أخطاء في حقك! مثلما أغفر لك عن طيب خاطر غضبك ومعارضاتك الشديدة المتعلّقة بقراري في التنازل عن أملاكي الشخصية للفلاحين!
وأنصحك يا حبيبتي بإخلاص بأن تحاولي التعايش في سماحة مع الموقف الجديد الذي سينشأ برحيلي!
وألا تحملي لي بسببه في قلبك أية ضغينة، أو كراهية، وإذا أردت أن تعرفي شيئاً عن أنبائي بعد أن أستقرّ في المكان الذي سأرحل إليه، والذي لا أعرفه إلا بعد أن أصل إليه، فستجدين بغيتك عند ابنتنا العزيزة ساشا، فهي وحدها التي سأخصها بذكر مكان حياتي الجديدة، وقد وعدتني بألا تذكر لك أو لسواك مكاني“.
-وكان تولستوي قد تزوج صوفيا أندريفينا في عام 1862بعد قصة حب وكانت سونيا في السابعة عشرة من عمرها، وتولستوي في الرابعة والثلاثين، وقد انجبا ثلاثة عشر طفلاً، مات منهم ثلاثة.
كانت صوفيا متعلمة ومثقفة، إذ تخرجت في جامعة مرموقة، إضافة إلى إجادتها عدة لغات غير الروسية، شأنها في ذلك شأن بنات الطبقات الأرستقراطية، فقد كانت تجيد الفرنسية والألمانية والإيطالية والإنجليزية، وكان يقول عنها تولستوي أنها “زوجة مثالية“.
وقبل زواجها نشرت بعض الكتب الأدبية من تأليفها، وبعد زواجها استخدمت إمكاناتها الثقافية في مساعدة زوجها، الذي قال عنها إنها “الزوجة المناسبة تماماً للكاتب”. فقد كان يملي عليها مؤلفاته، وكانت تبذل الكثير من الجهد لنسخ مسوداته وإعدادها للنشر، وكان تولستوي يستشيرها في تصويره لبعض شخصياته النسائية، فكانت تقدم له ملاحظاتها الدقيقة التي استفاد منها في رواياته المختلفة.
وعندما بلغ تولستوي السبعين من عمره بدأ يسئم من حياته، فتنازل عن ضيعته لأقاربه، وعن أرباح كتبه لزوجته، وارتدى ثياب الفقراء وعاش في الحقول المحيطة ببلدته يكسب مما تعمل يداه.
وذاع صيت تولستوى باعتباره فيلسوفاً ذا مبادئ جديدة، وبدأ الناس يبحثون عنه لمعرفة مزيد عن رؤيته في الحياة
مع الفلاحين والأحياء. ولم تقبل الكنيسة آراءه، فكفرته وأبعدته عنها.
وبدأت صوفيا تكتب مذكراتها الخاصة، تشكو فيها من هذا الزوج المجنون، وأخذت الزوجة تقاتل بكل قوتها لحماية ممتلكات الأسرة، وانتزاع زوجها مما أصبح عليه ومن إصراره على العمل بيديه ولبس الملابس الخشنة، والنوم في أكواخ الفلاحين، ومحاولاته لإعطاء كل ما يملكه للآخرين.
واشتدت الخلافات بين تولستوي وزوجته..
فكتب لها ذات يوم: “اني لأصارحك هنا بأن حبك العاصف الغيور المخبول أرهقني وأضجرني ولفني في شبكة مروعة من البلادة والكسل والخمول والظلام .. والحق أني بت أبحث عن نفسي فلا أجدها, وأفتقد عقلي فيفر مني, وأهيب بإرادتي فلا أقع إلا على أعصابي الخائرة, وقواي المحطمة, وعزمي المسلوب!.
نعم.. إن عدواك سرت إلي.. فأنا اليوم خائف منك وخائف من نفسي.. خائف منك على شخصيتي وعبقريتي وعملي, وخائف من نفسي أن أطاوعك فأجهز بيدي على أحلامي ومستقبلي!.. وهذا الخوف المزدوج هو الذي دفعني إلى الرحيل.. إذ كيف يمكن أن أعيش مع زوجة تأبى إلا أن تمثل طوال حياتها دور العاشقة المفتونة الغيور?.. إن الحب يا عزيزتي جميل, ولكنه ليس كل شيء في الحياة.. وأروع ما في الحب هو التضحية!.. فإذا لم تضحي ببعض حبك من أجل أسرتك وأولادك وزوجك, فأية قيمة لهذا الحب وأي نفع منه?.. إنه ليتحول إذن إلى أنانية جنائية لابد أن تقتل الأسرة, وتقضي على الحب نفسه شر قضاء!
وأنا أحس أن حبي لك سيموت من فرط عنف حبك وغيرته وجبروته المتسلط الأعمى.. فثوبي إلى رشدك وفكري.. إنك إن أطلقت الرجل كسبته, وإن حررته أنقذته, وإن تعففت عنه ولو فترات, سموت به وقويته وشجعته وأغريته بعظائم الأعمال!.
وخلال المعركة الطاحنة التي دارت بين صوفيا وتلاميذه قرر تولستوي الرحيل وقد تجاوز الثمانين من عمره فأستقل
قطارا يركب في عربة الدرجة الثالثة المزدحمة
ولكن سرعان ما عرفت صوفيا مكانه وأرسلت له تقول: ” عد إليّ إذا لم يكن ذلك إلا لتسمعني كلمة وداع قبل افتراقنا الذي لا محيص عنه“.
ورد عليها ” لا تظني أني فررت لأني لا أحبك .. إني أحبك وأرثي لك من أعماق قلبي ، ولكني لا أملك غير ما فعلت ، و لقد كتبت ِ كتابك مخلصة كما أحس ولكنك غير خليقة بأن تفعلي ما تقولين .. وداعا يا صوفيا ، يا عزيزتي كان الله لك … ليست الحياة مزحة ، وليس لنا من حق أن نلقي بها حسب أهوائنا … ومن الخطأ أن نقيسها بعدد الأيام ، وربما كان ما بقي لنا من أشهر أعظم أهمية من جميع ما عشنا من سنين ، ويجب أن نحيا كما ينبغي“.
و حضرت صوفيا إلي المحطة التي اكتظت بعدد كبير من رجال الصحافة والمصورين ورجال السينما ، وظلت بالقطار تبكي وتحاول أن تقترب من نافذة الحجرة تارة وتدعو المصورين ليصوروها كما لوكانت خارجة من الحجرة تارة أخرى كي لا يعلم الناس أنها لم تدخل على زوجها الذي لم يعلم بمجيئها حيث منعها الجميع بما فيهم ابنتها من رؤيته.
على فراش المرض
وأصيب تولستوي بالتهاب رئوي حاد ونقله تلميذه الذي كان يرافقه، وطبيبه الذي أصر على البقاء معه، إلى مكان متواضع في إحدى محطات السكك الحديدية.
و على فراش بارد ببيت صغير فى محطة قطار، يرقد شيخ طاعن في السن، أصابه المرض والعجز، تجسيدٌ حي للنهاية.
قضى عمره بأكمله باحثًا عن إجابة لتساؤلات لطالما أرقته، لماذا يحيا؟ وما الحياة؟ وفي تفتيشه عن حل لقضية الحياة كان أشبه بالرجل الضائع في غابة، يقبل على سهل فسيح، فيتسلق شجرة، وينظر من أعلاها إلى سهول واسعة لا تقف العين على آخرها، ولا مأوى يلجأ إليه فيها، يرى كل هذا فيدرك أن لا أحد فيها ينقذه، فيرجع إلى الأحراش، يتخبط في ظلمتها ولا يهتدي إلى ضالته المنشودة.
وفي المكان المتواضع بمحطة قطار “آستابوفو” رحل تولستوي في العشرين من نوفمبر عام 1910م متأثراً بالالتهاب الرئوي الذي أصابه وهو في طريقه إلي بلغاريا.
وقد عاشت زوجته بعده لسنوات طوال، تدافع عن نفسها ضد اتهامات الناس لها، بأنها كانت مصدراً لعذاب تولستوي الكبير الذي تعرض له في آخر حياته.
-ولكن كيف كانت بداياته ؟
في أسرة روسية من كبار النبلاء الإقطاعيين ذات ثراء هائل، ولد أديب روسيا الأول ليو تولستوي عام 1828، رحلت والدته وهو لا يزال في الثانية من عمره ، ثم تبعها والده الذي كان مدمناً للكحول، بعد عدة أعوام فتكفل به أقاربه.
وفي السادسة عشرة من عمره التحق بجامعة “كازان” لكنه ضاق بمناهجها الدراسية فقرر أن يكمل دراسته في بيته، معتمداً على نفسه، وخلال سنوات قليلة أتقن عدة لغات، واستوعب العلوم الطبيعية والاجتماعية والرياضيات والموسيقى والفن التشكيلي والطب والزراعة.
-“الشباب” بين الجامعة والعربدة
كان في السادسة عشرة من عمره، فتى يتأرجح بين ريعان الصبا، وفتوة الشباب، عندما التحق بـ«جامعة كازان»، واختار دراسة الأدب الشرقي، بيد أن النجاح لم يحالفه بها.
كانت أضواء المدينة أكثر إغراءً لشاب بثرائه، يحيا مع إخوته الذكور بعيدًا عن أي وصاية، انطلق ليعيش حياة السكر والعربدة، ويطارد بائعي الهوى.
ومع فشله بدراسة الأدب، اتجه لدراسة القانون، ليقرر بعدها أن حياة الجامعة لا تناسبه، فغادر بعد ثلاث سنوات دون إفادة تذكر سوى معرفة ضئيلة ببعض لغات الشرق.
ورغم نشأته في بيئة مسيحية متدينة بدأ يشعر بأن إشارات الصليب والصلوات التي يؤديها ليس لها أي مدلول عنده وأنه غير قادر على الاستمرار فيما أطلق عليه “الكذب” فتوقف عن أدائها.
وكان يقول “كان داخلي شعور ما بأني أؤمن بشئ ما، أؤمن بإله أو بمعنى آخر لا أنكر وجوده، ولكن أي إله؟ لم أكن أدرك على وجه التحديد. أذكر أيضا أني لم أكن أنكر تعاليم المسيح؟ لكن ماذا كانت تعني لي هذه التعاليم وقتها؟ لا أستطيع أن أعرف تماما”.
عاد أدراجه مجددًا إلى موطنه، وللمرة الأولى في حياته يتحمل مسؤولية إدارة أملاكه، ويواجه غمار الحياة وحده، ومعها بدأ صراعه الداخلي حول الغاية من حياته، هذا الصراع الذي رافقه حتى آخر حياته دون إجابة شافية، فلم يجد سوى أن يبث يأسه وإحباطاته أوراقه وأصدقاءه.
سرعان ما حاول الهرب من ذاته بانغماسه مجددًا في حياة الشبان النبلاء، منتقلًا بين موسكو وسان بطرسبرج، أدمن القمار وتراكمت عليه الديون لدرجة اضطر معها لبيع بعض ممتلكاته لسدادها، وصار ضيفًا دائمًا لحفلات شرب الخمور وملاحقة رفاق السوء، غير آبه لتحذيرات عمته، وفي أعماقه كان يدرك تمامًا حياده عن الطريق.
توثق أوراقه مشاعره في إحدى اللحظات التي أفاق فيها من سُكره، إذ كتب يعترف: «أعيش حياة حيوانية، هجرت كافة مسؤولياتي وأعمالي تقريبًا، تعاني روحي من فرط التمزق».
“إلى أتون الحرب.” عندما أزكت الجبال والدماء نيران الأدب
كانت زيارة شقيقه نيكولاي، الضابط بالجيش الروسي، بمثابة طوق نجاة من صراعه الداخلي، رأى في بزته العسكرية أملًا ينتزعه من براثن التمزق، في رحلة بحثه عن غاية، كان الربيع قد حل عندما انضم للجيش.
ارتحلا معًا عام 1851 إلى أقصى جنوب روسيا، حيث جبال القوقاز، تكاد تتراءى أمام عينيه صور الحياة البدائية التي شهدها بقرى جبال وسهول القوقاز، وبساطة قاطنيها، التي لم يجاوزها سوى استماتتهم في صده مع رفاقه أثناء حرب القرم، بشجاعة تركت فيه أثرًا لا يمحى.
عاد ليمارس عادته القديمة بكتابة مذكراته، إيذانًا بظهور ثلاثيته الأدبية، «الطفولة، والصبا، والشباب»، ولم تكن نظرته لها إلا مزجًا عابثًا بين الحقيقة والخيال.
أربع سنوات قضاها في حياة العسكرية، كانت ذكرياتها مدادًا لأحداث روايته الأشهر: «الحرب والسلام». وصلته أخبار مرض شقيقه ديمتري، فعاد مجددًا ليراقبه يلفظ أنفاسه الأخيرة بالدرن.
لم يطق بعدها البقاء، رحل إلى أوروبا الشرقية، يبدو له من سخرية القدر أنه اضطر إلى إتمام مسودات كتابه الجديد لمجرد سداد مبلغ تورط به في لعب القمار.
كان صراع الخير والشر بداخله قد بلغ ذروته، فجاءت كلماته تسجيلًا لواقع يرفل فيه بالآثام، ويتوق إلى مثالية متجسدة في صورة أمه.
“ألقيت بالعديدين إلى حتفهم بالحرب، خسرت بألعاب القمار، بددت أموالًا جنيتها بعرق الفلاحين بضيعتي، وأذقتهم صنوف العقاب، ضاجعت العاهرات، وخدعت العديد من الرجال، مارست الكذب والسرقة والزنا والسكر والعنف والقتل، لم أدع جريمة إلا وارتكبتها. مع ذلك، عدّني أقراني رجل أخلاق”.
“كان طيف أمي يزور مخيلتي، كيان سام نقي، أقرب إلى الروحاني، في خضم صراعي مع مغريات الحياة في تلك المرحلة من عمري. أقمت الصلوات إلى روحها متوسلًا لها أن تساعدني، ولطالما ساعدتني هذه الصلوات”.
وكان دائما يفكر عن الهدف من حياة الانسان وفي رسالة لأحد أصدقائه قال “على المرء إذا أراد أن يعيش بشرف وكرامة أن يتمزق بقوة، وأن يصارع كل المثبطات، فإذا أخطأ بدأ من جديد، وكلما خسر عاود الكفاح من جديد، موقناً أن الإخلاد إلى الراحة إنما هو دناءة روحية وسقوط!”. وكان يبكت نفسه بشدة إذا أحس منها تهاوناً أو تراجعاً.. فكتب بمذكراته وهو لا يزال في العشرين من عمره: “لم أفعل شيئاً. كم يعذبني ويرعبني إدراكي لكسلي! إن الحياة، مع الندم، محض عذاب! سأقتل نفسي إذا مرت علي ثلاثة أيام أخرى دون أن أقوم بفعل شيء ينفع الناس!”.
ثم كان الحب وصراع جديد
يشعر وكأن صلاته قد أجيبت، وجد قلبه الحب تجاه شقيقة أحد أصدقائه، هجر حياة العبث وانغمس في كتاباته، ساعدته زوجته على ترتيب أوراقه وإدارة شؤون ضيعته، وخرجت إلى النور درة أعماله الأدبية، «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا» صعدا به إلى شهرة ومجد لم يعبأ بهما في خضم صراعاته الداخلية، وراودته نزعة أخلاقية جديدة نتيجة شعوره الدائم بالتقصير في واجباته زوجًا وأبًا، لانشغاله بالبحث الدائم عن إجابات لأسئلته.
دفعه ذلك الشعور لحالة من جلد الذات، أصيب معها بالاكتئاب وراودته الرغبة في الانتحار، فخط قلمه كتاب اعترافات ليكون بمثابة «الرحلة الأخيرة لتجلي الحقيقة التي منحته إياها كمال الحياة من كافة جوانبها، وسلام دافئ في رحاب الموت الآت».
-دعوته للمساواة
“كن طيباً، واحرص على أن لا يعرف أحد أنك طيب لئلا يعتريك العجب، وابحث عن الجانب الطيب في كل من تعامل من الناس، وإياك أن تفتش عن الجانب السيىء فيهم، وقل الحق دائماً ولا سيما على نفسك!”.
أخذ تولستوي ينشر مقالاته الداعية للمساواة بين الناس وبلغ عدد ما كتب عشرة آلاف رسالة، حتى لقب ب “محامي مائة مليون من الفلاحين الروس” .
وخشيت زوجته أن يوزع ممتلكاته على العاملين بها كما يدعو في مقالاته، فقالت له مهددة : “يبدو أن حياتنا تسير إلى قطيعة مؤكدة. ليكن.. فأنا وأنت على تنافر دائم منذ التقينا.. أتريد أن تقتلني وتقتل أولادك بمقالاتك هذه؟ لن أسمح لك بذلك!”.
ولكن تولستوي مضى فيما يفعل ووضع أفكاره موضع التطبيق ووزَّع جزءًا كبيرًا من أرضه على المزارعين الذين يعملون لديه، وافتتح لأبنائهم مدارس كان يدرس لهم فيها بنفسه، وأنفق معظم ثروته على الفقراء .
وتعمق تولستوي كثيرا في القراءات الدينية، وقاوم الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، ودعا للسلام وعدم الاستغلال، وعارض القوة والعنف في شتى صورهما. ولم تقبل الكنيسة آراء تولستوي فكفرته وأبعدته عنها.
وفي السنوات الأخيرة عاش في الحقول مرتديا الملابس الخشنة يكسب مما يعمل بيديه.
-في يناير / كانون الثاني 1869 كتب بمذكراته:
“شيئان هما إكسير حياتي! حبي التعبير عن أفكاري بالكتابة الروائية، وحبي زوجتي الحبيبة صوفيا أندريفنا! ماذا يريد المرء من حياته أكثر من ذلك؟! لقد سعدت بحبي لصوفيا! وسعدت بأبنائي، وسعدت بهذه المزرعة الكبيرة، والشهرة، والثراء، والصحة، والسلامة البدنية والعقلية، ولكنني أحس بأن حياتي قد توقّفت فجأة!
لم تعد لدي رغبة في شيء. والحقيقة أن الرجل العاقل، يجب ألا يرغب في شيء!
إن الحياة نفسها وهم! وقد بلغت الحافة التي لا أجد بعدها إلا الموت! أجل. هذا صحيح. الحياة وهمٌ كبير! وهأنذا المحسود على الثراء، وعلى السعادة والشهرة. وعلى حبي لزوجتي! بتُّ أشعر بأنه لم يعد من حقي أن أعيش أكثر مما عشت!”
– رفض تولستوي قبول جائزة نوبل الأدبية مرتين لأنه كان يرى أن النقد الأدبي المجامل، مثله مثل الجوائز والمكافآت الكبيرة، تؤدي إلى فساد الخلق الفني والأدبي للمبدع وابتذاله.
ويقول أحد النقاد عن دور تولستوي في أحداث روسيا ذاك العصر “لو اعتبرنا البلاشفة بداية لانتحار أوروبا، سيكون تولستوي شروع هذا الانتحار، وسيكون لينين نهاية الانتحار“.
روائع الأديب:
أنجز تولستوي العديد من الروائع الأدبية التي لا زالت تحتل مكانه مرموقة في المكتبة العالمية وأهمها:
-“الحرب والسلام”
يري الروائي أي أم فورستر أن بالرواية “جمالا يشبه جمال الموسيقى”، مثلما يراها دليلا على اكتمال العمل الروائي الخال من العيوب.
تشتمل الرواية علي أكثر من 600 شخصية، كل شخصية قائمة بذاتها، متفردة بمعالمها، بتاريخها.
ويُعد كتاب الحرب والسلام (1869م) من أشهر أعمال الكاتب الكبير، ويتناول فيه مراحل الحياة المختلفة، كما يصف الحوادث السياسية والعسكرية التي حدثت في أوروبا في الفترة مابين 1805 و1820م، وتناول غزو نابليون لروسيا عام 1812م.
-“أنا كارنينا”
“كل الأسر السعيدة متشابهة، أما الأسر التعيسة فلكل منها قصتها المختلفة، وتعاستها الخاصة المميزة”
نشرت “أنا كارنينا” كسلسلة في الفترة من عام 1773إلي 1877 م وقد أثارت جدلا واسعا في الأوساط الثقافية، وعنها يقول دستويفسكي “ليس ثمة عمل أدبي أوروبي يمكن مقارنته بأنا كارنينا”.
وتدور الرواية حول امرأة أرستقراطية تدعي ” آنا” تفشل في حياتها الزوجية وتنشأ علاقة رومانسية بينها وبين الكونت فيرونسكي حيث يبدي كل منهما ازدرائهما التام، لأفكار الطبقة الأرستقراطية الراقية، التي ينتميان إليها، وتنتهي الرواية بانتحار البطلة، نتيجة الصعوبات التي واجهت ارتباطهما.
ويري النقاد أن روعة آنا كارنينا ليست من طبيعة الحكاية ولكنها تنبع من براعة تولوستوي في التداخل مع الحدث في جريانه… فأحداث الرواية ساحة تتحرك في رحابها طبقة من النبلاء الروس الذين ودعوا نظام القنانة وانتقلوا من الإقطاع القديم إلى ارستقراطية جديدة.
وكتب تولستوي العديد من الأعمال الأخري شملت كتاب “ما هو الفن”؟ في عام 1898 وفيه يضع نظرية “الفن للحياة”، التي تضفي على الفن بعداً دينياً أو أخلاقياً أو اجتماعياً.
في عام 1886، نشر قصة بعنوان “وفاة إيفان أليش” تحكى قصة فلاح فقير، سقط فريسة لمرض مميت، وبينما هو في سكرات الموت، بدأ يستعرض حياته، وكم كانت فارغة من الأعمال الجيدة.
وتأتي رواية “البعث” عام 1899 كأعظم أعمال الفترة الأخيرة من حياته، وهي قصة امرأة أُخذت بجريمة لم ترتكبها، ورجل نبيل ينشد التكفير عن خطاياه.
وفي عام 1898م نشر رواية رواية “الشيطان” وفيها يركز على الحب والغيرة والجانب المدمر للغريزة الجنسية. ورواية “الحاج مراد” التي نشرت بعد موت تولستوي، وهي تحكي قصة زعيم إحدى القبائل في جبال القوقاز.