العناوين الرئيسيةرأي

حرب نووية محتملة أم استعراض عضلات .. قراءة في التصعيد الروسي–الأميركي

تلوح في الأفق المحظور رايات حرب نووية محتملة ترفعها بشكل مشترك عوامل التصعيد الروسي-الأميركي على أرض الواقع، فبعد أن وجّه ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي في الأول من أغسطس، تهديداً مبطّناً إلى أميركا حين ذكَّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظام الردع الروسي النووي الأوتوماتيكي المعروف باسم “اليد الميتة”، سارع الرئيس ترامب بالإعلان عن إعادة تموضع غواصتين نوويتين في مناطق قريبة من المياه الروسية تحسباً لأي تهديد محتمل، هذه الخطوات، وإن بدت محدودة، إلا أنها تعتبر استعراض عضلاتٍ نووية يتم من خلاله توجيه رسائل واضحة عن جاهزية كل طرف للحرب وقدراته النووية فيها.

خبراء الأمن النووي في مبادرة التهديد النووي (NTI)، شددت على أن التصريحات الانفعالية غير المحسوبة قد تدفع نحو مواجهة لا يريدها أحد، ويبقى الخطر الحقيقي في سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود، وصحيح أن آليات القيادة والسيطرة اليوم أكثر تطوراً، إلا أن الخطأ البشري يظل عاملًا لا يمكن تجاهله.

الوقائع على الأرض تشير إلى أن استخدام روسيا للسلاح النووي يبقى احتمالًا بعيدًا، إلا إذا شعرت القيادة في موسكو بتهديد وجودي مباشر للاتحاد الروسي وللنظام نفسه، هذه المغامرة ونتائجها يحكمهما مبدأ التدمير المتبادل المؤكد (MAD)، الذي يجعل أي ضربة نووية من أي طرف لروسيا ستكون بمثابة انتحار للطرفين.

لكن ما يثير القلق بشكل حقيقي هو ما يعرف بمفارقة “الاستقرار–عدم الاستقرار”، فكلما كان خطر الحرب النووية الكبرى منخفضاً، زادت احتمالات الحروب الصغيرة والمواجهات غير المباشرة بين الطرفين في ساحات أخرى.

ورغم مرور عقود على نهاية الحرب الباردة، لم تتوقف سباقات تحديث وتطوير الأسلحة النووية بين البلدين، روسيا تواصل تطوير صواريخ مثل “سارمات” و”كينجال”، بينما تعمل واشنطن على تعزيز أنظمة الردع البحري والجوي، وتمتلك روسيا أكبر ترسانة نووية في العالم بحوالي 5,459 رأساً نووياً، منها نحو 1,718 نشطة، بينما تمتلك الولايات المتحدة الأميركية ترسانة تصل إلى 5,177 رأساً، بينها 1,700 في حالة جاهزية عالية.

الأمر اليوم يحتاج إرادة حقيقية لدى الطرفين للوصول إلى حل سياسي، ومن الضروري جداً استئناف الحوار الأميركي–الروسي للاستقرار الاستراتيجي (SSD)، الذي أُطلق عام 2021، والذي يمثل نافذة مهمة لتقليل التوتر وإرساء أسس متينة لمعاهدة بديلة عن New START، التي انتهت صلاحيتها، كما تدعو المنظمات الدولية إلى وضع بروتوكولات مؤقتة وتوسيع الشفافية النووية لتجنب الانزلاق نحو المجهول.

ما نشهده اليوم هو تقاذف رسائل شفهية بلغة نووية، أكثر من كونه بداية مواجهة فعلية، لكنه يعيد تذكيرنا بأن خطر السلاح النووي لم يكن حصراً من الاتحاد السوفييتي، ولم يختفِ باختفائه، والمطلوب الآن ليس المزيد من التهديدات ورسائل إنعاش الذاكرة وأنظمة الانتحار المتبادل، بل المطلوب مبادرات شجاعة لإحياء الدبلوماسية والدفع باتجاه المسارات والحلول السلمية، لأن الخيارات االتي يتم التلويح بها أبسط ما فيها لا يمكن تصوره.

 

د. محمد التقي – بروكسل

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى