أردوغان والأكراد: سلام حقيقي أم مناورة انتخابية؟..

من اللافت جداً هذا التقارب الجديد بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والأكراد، ويشهد الداخل التركي في هذه المرحلة تحولات حاسمة بعد خطوات مفاجئة قام بها الرئيس أردوغان تجاه القضية الكردية، والتي تشكل واحدة من أكثر الملفات الشائكة في السياسة التركية، الخطوة الأخيرة المتمثلة في المبادرة إلى السلام مع حزب العمال الكردستاني وإعلان بعض قيادات الحزب نزع سلاحها شمال العراق أثارت الكثير من التساؤلات حول مستقبل تركيا الداخلي سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
تساؤلٌ كبير يفرض نفسه اليوم: هل تمثل خطوات أردوغان الأخيرة تجاه الأكراد رغبةً حقيقيةً في السلام والاستقرار، أم أنها مجرد مناورة سياسية محسوبة تستهدف الانتخابات الرئاسية عام 2028؟
على المستوى الأمني، يسعى أردوغان لتحقيق هدف مزدوج، تهدئة الوضع الداخلي، والتفرغ للتحديات الخارجية، خاصة في ظل الوضع المتوتر في شمال شرق سوريا، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تتهمها أنقرة بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني، كما يشعر أردوغان بأن تركيا مستهدفة بذات القدر وذات الأهداف الذي تم لأجلهم استهداف سوريا، ما يجعله أكثر حرصاً على اتخاذ خطوات استباقية لحماية الجبهة الداخلية، لكن في الوقت نفسه يمارس أردوغان سياسة أمنية صارمة عبر اعتقالات متزايدة للمعارضين السياسيين، ما أثار قلق المجتمع الدولي بشأن تدهور حالة الحريات والديمقراطية في تركيا.
أما من الناحية الاقتصادية، فالقضية الكردية كلفت الاقتصاد التركي أكثر من تريليوني دولار خلال العقود الأخيرة، وهنا يبرز سؤال آخر: هل ستسهم المصالحة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي عبر تشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي وتحقيق تنمية مستدامة في الجنوب الشرقي لتركيا، أم أن استمرار التوتر قد يزيد من الضغط على الليرة التركية، التي تعاني أصلًا من أزمات متتالية؟.
على الصعيد الانتخابي، يدرك أردوغان أن ورقة الأكراد باتت حاسمة في أي انتخابات مقبلة، خصوصاً مع تقارب حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) مع المعارضة الرئيسية، ما يعني أن خطوات أردوغان ربما تكون محاولة لكسب تأييد الأكراد وتوسيع قاعدة دعمه الانتخابية، في مواجهة تحالفات المعارضة المتزايدة.
لكن ماذا عن المستقبل القريب؟، يُتوقع أن تزيد هذه الخطوات من حالة الاستقطاب السياسي داخل تركيا، فإما أن تقود إلى توافق وطني جديد يعزز الاستقرار، أو إلى مزيد من التوتر والاحتقان قد يدفع البلاد نحو اضطرابات سياسية واجتماعية.
في النهاية، تبقى خطوات أردوغان تجاه الأكراد تتأرجح بين خطوة جريئة نحو تركيا مستقرة اقتصادياً وأمنياً، أو مناورة خطيرة قد تعيد إنتاج الصراع بصور جديدة، ليبقى المشهد مفتوحاً على جميع الاحتمالات في انتظار خطوات جديدة توضح المشهد السياسي بشكل أكبر أو المماطلة السياسية حتى موعد الانتخابات المقبلة لتتبلور نتائج هذه السياسات عبر صناديق الاقتراع.
د. خليل الشامي – بيروت



