رأي

صور شعاعية ..!؟ .. د. نهلة عيسى

تعرضت الأسبوع قبل الماضي لحادث انزلاق غير حذر, في شارعنا “المزين” بالجور والحفر, وأسعفت نفسي إلى المستشفى لأدخل غرفة العمليات وأخرج منها سيدة “حديدية” بأربعة أسياخ في يدي اليسرى, ووجع لا يطاق, وتصوير شعاعي شبه يومي لمراقبة تطور انجبار ما انكسر, أو بالأحرى ما تفتت!!.

وجراء ما حدث, طرأ على بالي خاطر, وخواطري غالباً مجنونة, ترى لو أجرينا صور شعاعية للوطن, هل سنرى ما الذي تفتت, وما الذي انكسر, وما الذي هو قابل للجبر, وما هو محتاج للأسياخ والصفائح والبراغي لينجبر, وما هو محتاج للبتر لننجو وينجو الوطن!؟.

وخلصت إلى أجوبة شتى, أن الحل ربما يكمن بنشر إعلان في كافة وسائل الإعلام عن مناقصة لبيع عدد لا يستهان به من السوريين, أولئك الذين أينما صادفت أحدهم, امتطى كل فوهات سمعك ليخبرك بوثوق ومرارة المكشوف عنه الحجاب: كيف أن لا أحد أستمع إليه حين وقعت الواقعة, وبدأ الخراب, فتسأله برعونة الملدوغ, وأنت العارف بمحدودية علمه, ومعارفه, واهتماماته بالشأن العام وقضاياه: وبماذا أشرت ولم تُلبَّى !؟ فيحاصرك بالمدافع الكلامية المعتادة, المجترة: عن الفساد والفاسدين, وسورية الفينيقية, والعرب الذين لا خير فيهم, والناس الذين انقلبوا وتغيروا, وتبدلت أحوالهم, وفلان الذي أصبح مليارديراً بعد أن كان غفيراً, وعلان غير المستحق, الذي بات مديراً, وفلانة التي غادرت القاع لتغدو فوق الرقاب, و و و…الخ!؟.

فتبالغ بالحماقة, وتخبره لتستدر صمته: أن الحق معه, فيشتد قصف كلماته, وترتفع سخونة عباراته, وكأنك قد شحنته, ليحدثك: عن الوطن الذي انقسم ولم يعد يفهمه أو يستوعبه أو يحتويه, فيزداد نزيف حماقتك, فتقول لتهدئه: يا أخي طول بالك, الوطن ما يزال واحداً أحداً, وأن الانقسام إن كان حاصلاً, فهو بين البشر, وبسبب البشر, وهو عارض سيزول, فيهاجمك كالملسوع صاحب الثأر: أنت لا تعرف خفايا الأمور, ما خفي عظيم جسيم, فيصيبك الإعياء, وينهكك الجدل, فترتكب الحماقة الكبرى, وتقول: ما دام ليس هناك حلاً, وما دمت موجوعاً ملتاعاً إلى هذا الحد .. هاجر, وأنت تعرف أن لا أحد حتى أمه سيرتضيه, فيرد كطلقة المدفع: أنا أحب وطني, لكني لا أستطع البقاء بين هذا وذاك, أنا وأنا, عند ذلك تضطر لمغادرة الحماقة إلى السأم, والضجر من الكلام بلا أفق, والتبرير بلا سؤال ولا اتهام, فتقرر انهاء السجال: المهم أنك بخير, وخفف عنك لست “سوبرمان”, ولست محتاجاً لأن تقدم لأحد أعذاراً, فيجن جنونه, ويربد ويفأفأ, من أنه ليس على بالك بال, فأنت مستفيد من واقع الحال!؟  وحينها ليس أمامك سوى خيارين: إما أن تقتله وتسجن, أو تضحك, وتقول له: حتماً أنا مستفيد, هل أرسل لك كشفاً بالحساب, كم شهيداً ودعت, وكم جريحاً زرت, وكم صديقاً خسرت, وكم هاوناً نزل فوق رؤوسنا عددت, وكم حلماً شيعت, وكم إلى وقح مثلك استمعت وصمت!؟.

حقاً الإعلان عن هذه المناقصة ضرورة وطنية, لأنه إذا كان كل من في البلد أنبياء, وجهابذة, ومرسلون, إذن من الذين جعلوا عالي البلد واطيها, وواطي البلد عاليها, بحجة إما أننا أجمل بلاد الكون, وأننا بألف ألف خير, أو بزعم الدفاع عن حرية التعبير, والاختلاف بالرأي, وتكافؤ الفرص, وغير ذلك من مزاعم, كانت تمهيداً “رومانسياً” لجرائم, ما تزال تتواصل على كافة المستويات, وأولها حرية التعبير, التي فهموها (كل الأطراف) ومارسوها باعتبارها, حريتهم هم فحسب, في انتهاك كل مقدس, وفي شيطنة كل مخالف لهم في الرأي, وفي تعهير كل من لا يحذو حذوهم, أو يتاجر في تجارتهم, وتاليها حرية الصمم لنحجب عن آذاننا كل هذه الأكاذيب!!.

ورغم أن الإعلان يبدو طرفة, لكن ليته كان ممكناً, لإراحة الرأس من القال والقيل, ومن مراقبة تدني خطاب السوريين إلى الأنا, كنوع من الخلاص, وإلى القاع, حيث لا حرمة, ولا قيمة, ولا قرار, ولا مسؤولية, ليتكدس الوجع في حنايا الروح والجسد, كخزانة الجدة, تموت هي وتبقى الخزانة إرثاً غير مستباحاً, لا يباع ولا يشترى, ويمنعك الخجل من تقطيعها حطب لفش الغضب, والكارثة أنها لا تظهر في الصور الشعاعية!!.

إقرأ أيضاً .. عقوبات مزاجها عالي!؟ ..

إقرأ أيضاً .. السير بالملابس الداخلية!؟ ..

 

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك  قناة التيليغرام  تويتر twitter

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى