رأي

حلوى الحرب!؟ .. د. نهلة عيسى

ميزة العيش في الحرب, إن كان للحرب ميزة, هي التخلي عن الأوهام, وهماً تلو الآخر, ومفارقة المخاوف, خوفاً بعد خوف, لأن كل الأشياء في الحروب المزمنة مثل حربنا, تستوي وتلتبس, الحياة والموت, الصدق والكذب, الحب والكراهية, الشجاعة والجبن, والوطنية والبين بين, وفي هذا الاستواء يتحرر الجميع من المسؤوليات, وتتحول الحوارات حول المسؤوليات إلى حلوى عيد, يصنعها الجميع, ويلتهمها الجميع!!

ولذلك, وحده الالتباس قادر على تحليل ما جرى في عشرية الدمار, وما يجري في الأيام القليلة الماضية في بلادي, إذ يختلط الحق بالباطل, والمشروع بالجريمة, والغضب بالتحريض, والوطني بالمذهبي, اختلاطاً يجعل مقاربة الأمر أشبه بتفكيك الألغام, لا تأمن إن فككت لغماً, أن لا تطأ آخر, وتكون النهاية!!

وهي نهاية لن يطول بنا الأمر للوصول إليها, لأن الأوهام كما أشرت في البداية, بدأت بالتلاشي, وكل ما تربينا عليه, على الأقل منذ ستينيات القرن الماضي, كذبته وقائع عشرية الحرب, لتُظهر مواطنة هشة تتداعى عند أخطر الأمور وأقلها شأناً أمام المناطقية والمذهبية, والمصلحة الشخصية, مما يجعل من العسير للغاية فرز كل موقف على حدة والتكهن بما هو أبعد من السمة الذرائعية التي تهيمن على السلوك المجتمعي في تفسير مبررات الخراب الذي وصلنا إليه!؟

وهو سلوك, يمكن تفسيره في ضوء ظروف تاريخية معلومة, إما غيَّبت مفهوم المواطنة أو موَّهته أو جعلته يندرج في نهاية جدول الأعمال السياسي الوطني المسترخي على وهم الاستقرار والسيطرة, خاصة أمام المجموعات الذي قادت مهمة المواجهة والصدام مع السلطة المركزية, وأخذت تقيم تحالفات سياسية ظرفية على أرضية أيديولوجيات راكدة وأخرى متململة, بحثاً عن نصر أيديولوجي, لا يضع الوطن في حسبانه, إلا باعتباره ساحة معركة, وليس سبباً لها!!

وهذا ما قاد معظمنا, خاصة من ينطبق عليهم لقب المضطرين على رد الفعل,  للدخول في  بوابة العبث الوجودي, الذي ساوى بين الرؤوس على اختلافها, حيث تتلاشى التمايزات, ليتحول الجميع إلى كائنات رثة تعيش في بؤس فقدان القدرة على التمسك بيقين!!

ولأنني, ربما واحدة من هؤلاء  الذين يمزقهم أن الحرب بكل تداعياتها باتت مجرد عادة بائسة أخرى من عاداتنا  المقيمة, توقعنا يوماً بعد يوم في فخ هذا خطأ وذاك صواب, على الرغم من أنه في الحرب لا شيء صحيح, ولا شيء حقيقي سوى الجنون, وسوى أنها تبرر للمرء العيش والنوم دون ذنب على تل البقايا, والمضي مع المجهول دونما حاجة لادعاء البوهيمية, حيث لم يبق مجال لادعاء, بينما آخر مظاهر المدنية تلفظ أنفاسها الأخيرة في بلادنا على كتف المفسدين, والفاسدين, والمدعين, و”المثقفين”, وبنادق “المتثورين” والإرهابيين!!

بت أمارس هذه الأيام وباعتناق شبه “انجيلي”, القراءة النهمة المتواترة, والبحث اللاهث عن الصمت, وهما سلوكان لا يمكن تفسيرهما إلا باعتبارهما دلالة على تنامي آلية دفاع ذاتية لتجاوز واقع لم تعد لي أدنى سيطرة عليه, خاصة وأنني لا يمكن أن أخضع لمنطق من يحاول إجباري وغيري إذا اختلفنا معه في الرأي, على الوقوف في دائرة الطباشير لنثبت حبنا للوطن, فالثابت لا يتحول, والعارض غير مقيم, وأنا أكره الدوائر والمثلثات, ويضجرني المربع والمستطيل, والخطوط المستقيمة, وتثير ريبتي الخطوط المتوازية التي لا تلتقي, ولكنها بنفس الوقت لا تفترق, لأن افتراقها يغير قواعد اللعب على الحواف, حيث الخاسر ميت, والرابح في غرفة الإنعاش, وحيث لا أفق, ما دام كلنا على صواب, ويبدو الوطن وحده من يرتكب الخطأ!!.

 

قرأ أيضاً .. مشجعة للمشجعين!؟ ..

إقرأ أيضاً .. التحايل على الأسئلة الستة!! ..

 

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك  قناة التيليغرام  تويتر twitter

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى