العناوين الرئيسيةحرف و لون

دموع أيلول  … غادة اليوسف

اللوحة : ماري كاسات

 

دموع أيلولغادة اليوسف

من أيّ مسام عصيٍّ على الموت ينسلّ هذا الحنين؟
بعد زمنٍ، لا أدري مداه.. أقيسه بوزن الغبار الذي سدّ شرفات روحي.. وغمر عيوني بِطَمْي الغفلة.. فتماهت النهارات بالليالي.. وتساوت طقوس المواسم والفصول.. وأمستْ بلا طعمٍ، ولا رائحة، ولا لون، غير طعم المعدن، ورائحة الهواء الملطّخ بالنشيج، ولون العينين المخضّبتين بذعر الغياب..
وبعد أن تسابقت عليّ عقارب زمن، يلهث خلف وهم ارتواء، ولا وصول.. وبعد أن استباحني قصدير النهارات الملتبسة، بلا شموس، وعبرتْني ليالٍ، لا أقمار في دروبها غير ادّعاءات النّحاس؟.. فضياؤها، الذي انبجس يوما من عيوني غارت أنهاره، وتوارت، إلى سماء بعيدةٍ أطفأَتْ نجومَها، وانطوَتْ، ونامت في حلم طفولة مندثر.. حين اختنق الهواء برائحة النزيز، وتهدّلتْ رئة الصباح وهي تلهث على أرصفةٍ تئِنّ من وطْء نفايات المدينة، والشوارع المُثخَنة بأنياب قططها السّمان، المتربعة على عرش حضارة النفايات.. تنزّ كرهاً، حيث يُفرغ الفراغُ من فراغِه.. ويُملأ بالبشر المفرغين من بشريتهم، ليُعادَ تصنيعهم وتأهيلهم- كما علب الكوكاكولا الفارغة- فيصبحوا لائقين ليشهقوا بلا زفير، في هذا الفراغ الكوني المعلّب!

دموع أيلول  
إذاً…  من أين ينسلّ ضباب هذا الغيم الموجع؟ ولمن كلّ هذا الحنين..؟
باغتَني مطرٌ، عاتِبٌ، حائرٌ، انهمرتْ جداولُ حزنِه تغسل الغبار عن خدود الدروب المتعبة، ففاضت الروح على ضفاف العتاب. بللني مطر أيلول.. وجلا عن قلبي غبار المسافة، فانبعثتْ مريلةُ المدرسة، ومحفظة الصفّ الأوّل، وصورة الفلاح يحرث حقله في أوّل درس في كتاب القراءة، وهو يقف على باب الأبجدية ، يرنو بشوق إلى الغيمة ترجع من غيابٍ طويل، تتهادى بأبّهة الخصوبة، وبتواضع الحبيبة، ترمقه مثقلة بدمع الحنين وتلوّح لترابه بقوارير عطر الشتوة الأولى (رجع أيلول وأنت بعيد ،غيمة حزينة قمرها وحيد)..

دموع أيلول 
صحوتُ، وغمرني الخجل !..كيف نسيتُ؟
أستغفر الأسماء الحسنى لذهب يسوّر صباح المواسم..كيف أُنْسيتُ ؟! ومن سرق مني مريلة المدرسة.. ومن محا شخبراتي الأولى على دفتر “أبو العشرة” وتفاحتي الحمراء من دفتر الرسم ؟ من سرق الدفء من سنارات الصوف وأنامل الأمهات وهي تغزل كنزة الشتاء؟ من سرق من المعاصر عبقَ العنب، وألقَ الزيتون؟ من سرق دفقة الشباب، تزغرد في صدور الجدّات المُنهمكات في قدّاس الحقول، وطقوس المواسم؟ يحملن سلال التين، والعنب، والزبيب، وشُقرةَ اللوز,وما تعتّق في دنان العمر من خمر السنين, تحيّتهنّ محبّة، وسلام للكون، ودعوتهنّ لوليمة التواصل الإنساني مغزولة بأنفاسهن: (ألله يسعد صباحكن..تفضّلوا..وسنة خير علينا.. وعلى أهل الأرض)؟
ها قد حللتُ بأيلول من باب الدمع! فمن سرق إذاً من تربتي لهفةَ اشتياقِها لموسم البذار؟ ومن سرق من عيوني دمعَ أيلول؟!
.

*شاعرة وكاتبة من سوريا
.

 

-لمتابعتنا على فيسبوك: https://www.facebook.com/alwasatmidlinenews

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى