
في أدب السجون .. إنسان درجة ثانية ..
الحريّة، الكرامة .. مفردات لا يخلو دستورٌ واحدٌ من دساتير دول العالم منها ويضعها في مقدّمة مواده، وأولويّة في اهتماماته، حتى اعتبارها من الحقوق المقدّسة والخطوط الحمراء على الورق!!، وذلك بالتوازي مع النصوص الدوليّة والمنظّمات التي تم إنشاؤها لأجل هذه الحقوق بشكل خاص، والإنسانيّة بشكل عام..
لكن ماذا عن أولئك القابعين في الدرك الأسفل من أقبية الأنظمة الشموليّة الديكتاتوريّة المُنتشرة ظاهراً وباطناً في أرجاء المعمورة؟
أولئك الذين يمضون أيامهم مع القهر منذ مطلع الفجر حتى أوانه من جديد!!
بل يكاد الظلم ينخر حتى أحلامهم عند استسلامهم للسبات بعد انقضاء يومٍ كامل من التعذيب الذي يندى له الجبين!
أولئك الذين قلّما يملك أحدٌ منهم الرغبة في الكتابة بعد خلاصه من هذا الظلم!
أو بشكلّ أصحّ قلّما يملك الإبداع في تصوير هذا العذاب بالكلمات والذي عُرف بأدب السجون!!
فأغلب هؤلاء المُعتقلين هم في الأساس من أصحاب الرأي المناهض فكرياً لآراء أو تصرّفات نظام الدولة، وعليه .. يكفي أيّاً منهم أن ينقل ما أصابه في مؤتمر صحفيّ وينتهي الأمر!، باستثناء من يتجاوز منهم ذلك لكتابته وتدوينه في روايةٍ أو نص ..
والأهم .. قلّما ينجح هذا الكاتب، وعلى ندرته، من قلب المعادلة رغم إبداعه اللامحدود في سرد العذابات التي تشهق لها الروح حزناً وأسى .. فهي بالكاد تكشف عن أوجه الطغاة، وتعرّي حقيقة الجلّادين وتُسهب في شرح أساليبهم وممارساتهم الإجراميّة، ليقف هذا الشعور ومايحتويه مكتوف الأيدي أمام إجرام المجتمع الدوليّ المتكافل المُتضامن مع بعضه البعض في وجه هذا النوع من الأدب..
فهذا المجتمع الذي يقسّم نفسه بين بلاد الحريّات وبلاد القمع والديكتاتوريّات .. ماهو إلّا مجتمعٌ “منافق ومتوافق” بعدم إعطاء هذا الأمر وزناً إلّا في حال التجاذبات السياسيّة!، عندها فقط تبدأ الدول التي تدّعي الإنسانية بالتشهير بهذا الملف لدى الدول المعادية لها، وأنّ هذه الدول الأعداء لا مكان مشرّف لها على قوائم الانسانيّة، وأنّ مايجري في دهاليز أقبيتها تقف أمامه الشياطين حائرة بمن هو أدهى وأمرّ في الشيطنة!.
وعليه .. بقي هذا النوع من الأدب الإنساني وما يعبّر عنه طيّ الكتمان، وتغاضى عنه الجميع لحين الطلب، رغم إنشاء أكثر من منظمة رسميّة وغير ذلك فقط لتتناول الأمر لحظة الصراعات السياسيّة والمصالح الضيّقة!، بينما رزح الأدب على رفوف المكتبات فقط، واقتصر قلب المعادلات فيه على بلد واحد وهو روسيا لا أكثر!!
ومن أشهر هذه الانقلابات .. كانت رواية العظيم دوستويفسكي “ذكريات من بيت الأموات” والتي على أثرها أقرّ الإمبراطور الروسيّ قراراً يُنهي بموجبه التعذيب داخل سجون الامبراطوريّة الروسيّة حينذاك عام /1863/، وبعدها تابع هذا الإبداع الروسيّ ابن وطنه تشيخوف عندما بدأ بإرسال المقالات المكتوبة لمجلّة الأزمنة حول تفاصيل السجون المتواجدة في “جزيرة ساخالين”، ثم تابع المهمّة بشكلٍ أوضح وأعمق الكاتب الروسيّ ألكسندر سولجستينين في روايته الشهيرة “أرخبيل غولاغ”، والتي مهّدت مع مقطوعات تشيخوف لقيام الثورة الروسيّة الأولى في القرن العشرين عام /1905/، بعد تأثيرها في الوعيّ الفكريّ الروسيّ بشكل عام.
أمّا في المنطقة العربيّة فكانت البداية متأخّرة جدّاً حتى ستينيّات القرن الماضي عندما شرع الكاتب المصري شريف شحاته في كتاباته عن التعذيب في السجون المصرية التي أمضى فيها الكثير من أيامه من خلال روايته “ماذا وراء الجدران”، لتزخر المكتبة العربيّة بعده بعددٍ كبيرٍ من هذه المؤلّفات المختصّة بهذا النوع من الأدب.
ولعلّ أشهر المُبدعين في رسم هذه اللوحات كان الروائي عبد الرحمن منيف في رائعته “شرق المتوسط-الآن هنا”، والتي سرد فيها حكايات وأيام المعتقلين في البلاد العربيّة بشكلٍ عام، وكذلك فعل الروائي “الطاهر بن جلون” في روايته “العقاب”، و”تلك العتمة الباهرة”، وغيرهما الكثير ممن رسم هذه الصور بالكلمات وطالتهم أيادي أو تقارير رجال الـطُّـغَـم الحاكمة وعناصرها.
ومع ذلك .. بقيت كلّ هذه الروايات مجرّد كتبٍ جاثمة على رفوف المكتبات، أو حبيسة الأدراج لمنعها من الصدور، ولم تحدث أي فارقٍ يُذكر!
وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل يحتاج هذا النوع من الأدب لإبداعٍ من نحوٍ مختلف ليُحدث خرقاً أو انقلاباً في معادلة ومعاملة الأنظمة الطاغية تجاه الإنسان؟.
أم أن العالم متواطئ بشكلٍ كبير في هذا المجال مع هذه الدول، والتي يعتبرها في درجة متدنيّة، وأن إنسانها درجة ثانية!؟.
والمثال الأكبر على ذلك هو الرواية التي شاهدها العالم مكتوبةً في صورة مسرّبة من معتقل أبو غريب مع تلك الانتهاكات والإهانات اللامتناهية من القهر والظلم تجاه الإنسان ومفهوم الانسانيّة رغم تغيّر الجلّاد؟.
*كاتب وروائي من سوريا – دمشق



