إضاءاتالعناوين الرئيسية
درس سباحة .. د.محمد عامر المارديني

درس سباحة ..
ما أجملَه من صباحٍ، وماأحلاها من مفاجأةٍ يومَ طلبَ أخي ناصر أن أرافقَه إلى المسبح، فغيّرَ مزاجي من حالٍ إلى حال، ومنحَ روحيَ دفقاً من البهجة والسّرور.
انتفضتُ من سريري كالحصان الجامح بعينين نصفِ مغلقتَين ورحتُ أجمع في كيس كرتونيٍّ أيَّ شيءٍ يمكن أن يحتاجَه سابحٌ، لكنّ سعادتي المفرطة بمرافقة أخي شابَها الفتورُ حينما تذكّرتُ أنّني لا أجيد السّباحةَ أو بالأحرى لا أفقه شيئاً عن أبجديّاتِ فنِّ العوم، والألعنُ من ذلك هو أنّي لا أملكُ “مايوه” ! توقّفتُ للحظاتٍ عن جمع الحاجيّات لأسألَ أخي بائساً كيف سأذهبُ معك وأنا لا أملكُ ما يسترُ عورتي، فهي المرّةُ الأولى في حياتي الّتي أذهبُ فيها إلى مسبح، كما أنّه لم يسبق لي أن طلبتُ من الأهل شراءَ غرضٍ “أوبشنال”كهذا لعدم حاجتي إليه!
هدّأ أخي من روعي قائلاً لا عليك، سأستأجر لك واحداً من المسبح، هذا الأمرُ متاحٌ،فلا تخف.
عاد الفرحُ ليملأَ قلبي فما كان منّي إلّا أن أسرعتُ إلى المطبخ لأجدَ والدتي – رحمها الله- تقطفُ عيدانَ الملوخيّة فتوسّلتُ إليها أن تحضَّر لي ولأخي بعضَ شطائر الزيت والزّعتر واللبن المصفّى والجبن ففعلَت. وظلّت تنبّهُني إلى الالتزام بعدم الغوصِ في الماء العميق ،وكذلك عدمِ الغطس بعدَ الأكلِ مباشرة لأنّه يؤلم البطن.
قلت لها: لا تخافي يا أمّاه ، لعلّكِ لا تعرفين مَن أكون، أنا من يستطيع الغوص في الماء كالسّمكة، فقد كنت أتدرّبُ بشكل دائم في السّرير، وأحياناً أفعلها في “البانيو”.
كان عمري عشرَ سنواتٍ ولم أكن أعرف حينذاك شيئاً عن السّباحة إلّا من خلال أحاديث أخي الكبير مازن وأبناء عمّي الّذين كانوا يشتركون بشكلٍ دائم خلال فصل الصّيف في المسبح البلديّ الذي يقع في مدينة المعرض مع وعدٍ من أخي مازن أن يشتركَ لي في المسبح ذاتِه وعلى حسابه الشخصيّ، وبمرافقته لمدّة نصف شهرٍ ابتداءً من شهر آب حيث يكون ماءُ المسبح أقلَّ برودةً من شهر حزيران في بداية الصّيف وموسم السباحة الاعتياديّ.
بعد مسيرِ نصفِ ساعة على الأقدام إلى منطقة البرامكة ركبتُ وأخي باص “السكانيا” فأقلَّنا إلى المسبح الذي كان يقعُ عند تلّةٍ مطلّةٍ على ربوة دمشق. وفي الطّريق أخذَتِ الأحلامُ تتزايدُ في رأسي أملاً في أن أعودَ سباحاً معتدّاً به أروي عن بسالتي لأصدقاء الحارة ولأقاربي.
وما إن وصلنا المسبحَ حتّى استأجرَ لي أخي مايوه “سليب” ورديَّ اللون ذا جيبٍ خلفيّة بسحّاب، لكنّ المشكلةَ فيه هو أنَّ مطّاطَه كان مَرخيّاً قليلاً يقتضي منّي مسكَه عندَ المشيِ، إضافةً إلى أنّ قياسَه كان كبيراً إلى حدٍّ ما، لأنَّ القياساتِ الصّغيرةَ نفِدَت منذ نحو ساعةٍ، صحيح أنّ ذلك أزعجني وأقلقني، غيرَ أنّه لم يكن لديَّ خيارٌ آخرُ : سأسبح يعني سأسبح!
كان منظرُ بركةِ السباحة أكثرَ من رائع بوجودِ العشرات من البشر كباراً وصغاراً، وهم إمّا يسبحون أو يغطسون أو يتدافعون.أما مياهُ حوض السباحة النقيّة الرقراقةُ فقد كانت باردةً جدّاً، ومع ذلك فقد عزمت على النّزولِ إليها وإنجاز هذه المغامرة.
وقفتُ عند طرف البركة أدخِلُ قدمي في الماء فأبلّلها ثمّ أتراجع خشيةَ أن يدفعَني أحد ما من خلفي فيسقطَني في الماء.
وحين رآني أخي على هذه الحال قال لي :
عليك أن تكون شجاعاً لأنّكَ إن خفتَ الغطسَ فلن تتعلّمَ السّباحةَ ماحييتَ.اذهبِ الآن إلى طرف المسبح عند الجانبِ الأقلّ عمقاً للماء، واغطس متمسّكاً بالسلالم بعد أن تأخذَ شهيقاً حابساً نفسَك في الهواء وازفره في الماء ثم عُد فارفع رأسك في كلِّ مرّة لتأخذَ شهيقاً من الهواء وتزفرَه في الأسفل، وهكذا حتّى تنضبطَ عمليّةُ تنفُّسِك في الماء.
قبضتُ على مطّاط المايوه ثمّ غطست ونجحتِ التّجربةُ فطِرت فرحاً رغم بلعي لأكثرَ من ليتر ماء!
نظر إليَّ أخي مبهوراً بإنجازي وسرعةِ تعلّمي فزاد من حماستي قائلاً: ستعيدُ الكَرَّة الآن يابطل ولكن بعد أن تنزلَ من فوق لوح القفز المسمّى “رينغ”الذي يرتفع في الهواء عدّةَ أمتار .
ملأ الخوفُ قلبي غير أنّ مناداتي بالبطل بدّدَت هذه المخاوفَ للحظات واجتاحَتني الحماسةُ من رأسي حتّى أخمصِ قدمَيَّ وخاصّةً أنَّ الرّجالَ هم فقط من يقفِزون من فوق عارضة القفز . أخذتُ أستنشقُ حجماً كبيراً من الهواء مالئاً به رئتيَّ حتّى الثّمالة ثمّ زفرتُه وأنا مغمضُ العينين وصرتُ أصفعُ وجهي براحتيَّ الاثنتين لأشحنَ طاقاتي كما يفعلُ الغطّاسون المحترفون، وصعدتُ السلَّمَ وأنا قابضٌ على مطّاط المايوه إلى أن وصلتُ إلى لوحِ القفز.
أذهلَني من الأعلى مشهدُ الناس في حوضِ السّباحة وكأنّهم حشودٌ من النّمل حيث بدا الارتفاعُ بين اللوح والماء وكأنّه إلى مالا نهاية.
ارتعدَت فرائصي تلك اللحظةَ وآثرتُ العودة من حيث بدأتُ ولكنّ الغطّاسين من خلفي أخذوا يستعجلونني النّزول وأخي يحمِّسني من بعيد منادياً بأعلى صوته: هيّا أبو عمير ..هيّا يابطل ياشجاع.
وبينما أنا مستغرقٌ في الخوف والذّعر قام الرّجل الذي وقف خلفي بدفعي إلى الأمام ليستعجلَني القفز ولكنَّ نكزتَه كانت أشبهَ بدفعةٍ إلى المجهول!
أبداً لن أنسى رحلةَ النّزول التي قطعتُها بين لحظة القفز وسطح الماء، فقد قفزَ معها قلبي من صدري وكأنّه سبقَني إلى الماء، لكنَّ المفاجأةَ كانت حين بلغت سطحَ الماء. فقد سمع كلُّ روّادِ المسبح صوتَ ارتطامي بالماء الذي كان مدوّياً، وشهقوا لشدّتِه.
غطستُ إلى قاع بركة السباحة كالشّاقول فاصطدمَت قدماي بالأرض ثمّ عدتُ فارتفعتُ فوق الماء ورحتُ أتخبّطُ ساعياً إلى طرفِ البركة إلى أن استطعت التمسُّكَ بالحافّة بعدما بلعتُ كثيراً من الماء مجدّداً.
وفجأةً علَت قهقهاتُ جميع مرتادي المسبح عقبَ تلك السّقطة لكنّي لم أدرِ لماذا كان كلُّ هذا الضّحك إلى أن رأيت المايوه خاصّتي طافياً فوق الماء ما جعلَني أعيشُ أقسى حالات الخجل!
ركض أخي حاملاً منشفةً فلفَّني بها ثمَّ قفز إلى البركة والتقطَ المايوه الطّافي وأعادَه إليَّ، إلّا أنّه كان ممزّقاً إلى شطرين تقريباً ولم يكن مجدياً ارتداؤه.
سنواتٌ طويلة مرّت بعد تلك الحادثة لتسألَني زوجتي يوماً عندما كنّا في مزرعة خاصّة فيها حوضُ سباحة إن كان العومُ في الماء سهلَ التعلّم. استذكرتُ حينها كلامَ أخي عندما كان يحمِّسني للغطس فقلت لها إن تعلّمَ السباحة سهلٌ جداً ولا يتطلَّب إلّا الشجاعةَ وعدمَ الخوف من الماء. فإن رغبتِ التّعلّمَ فعليك أولاً أن تغطسي بقفزةٍ واحدة حتّى تلمس قدماكِ أرضَ البركة وسترَين أنّ جسمَكِ سيرتفع إلى الأعلى وحينها سأساعدكِ وأمسكُ بك. لا تخافي فالمهمّ هو أن تنزعي الرّهبةَ من قلبك، وبعدها يمكنك البدءُ بدروس السباحة أوّلاً بأوّل.
نظرت إليَّ نظرة التّحدّي ثمّ نهضَت بشجاعة ومن دون تردُّد أغلقَت فمَها وأنفها بكفِّها ثمّ أسقطَت نفسَها في الماء بسرعة البرق. أدهشَتني بفعلتها هذه، ولم أتوقّع أن تكونَ فائقةَ الجرأة والسرعة في تنفيذ درسي الأوّل لها. انتظرت ثانيتين كي يرتفعَ رأسُها فوق سطح الماء لكنّها لم تظهر، فغطستُ خلفها بسرعة البرق أبحثُ عنها فإذا بها راكدةٌ في أسفلِ الحوض تروي عطشَها. وإلى هذه اللحظة لم أستطع إقناعَها بأنّني كنتُ أعلّمُها السّباحة.
.
*د.محمد عامر المارديني – أديب وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سوريا



