كتابة الخير والشر! .. محمد الترهوني

لا وجود لشخص أُقصِي منه الطرق الصغيرة الموصلة إلى الشر ، وهذا لا يعني تقصير الخير في مهمته ، بل يعني أن الشر يعمل دون كلل ، الشر لا ينتظر قبوله من أحد ، ولا يقع جاثيا على ركبتيه أمام الفضيلة ، الشر لديه كبرياء أكثر من الخير ، ولديه عصا قائد الأوركسترا الذي يتبعه الجميع بهذا القدر أو ذاك..
نحن جميعا نشعر بالكراهية تجاه الشر، لكن هذا لا يعني أبدا أننا نفعل الخير دائما، العاطفة هي المكان الوحيد الذي يخجل الشر من الانتقال إليه، يخجل.. نعم، لكن هذا الخجل لا يمنعه من السخرية المؤلمة من عواطفنا.
في أحيان كثيرة تبدو حياتنا غامقة من وجهة نظرنا، وفي أحيان أخرى تكون مكاناً مكشوفاً، شفافاً، أو ضارباً للبياض.
في أي جهة يقع الخير؟ وفي أي جهة يقع الشر؟
لا أحد سيلاحظ أن الشر موجود في الجهتين والخير موجود في الجهتين أيضا، بسبب كل هذا قررتُ أن تكتبي أنتِ سيرتي الذاتية، لا أعتقد أني كنتُ هناك في اللحظة التي ولدت فيها كشخص، أنتِ كنت موجودة وتعلمت منكِ كيف يتعامل إنسان مع إنسان، لن يكون الأمر صعباً بالنسبة لك، كتابة ثلة من الكلمات عني لن يكون ممتعاً، ولكن لن يكون مملاً كذلك.
أكاد أجن بسبب الفضول، ما الذي يمكن أن يكتب عن أحمق مثلي يرتكب دائما الأخطاء غير المتوقعة ، تختلط خطواته بخطوات الفظاظة والقسوة دون أن يراها، ما يمكن كتابته بشيء من عدم الحياء هو قيمة التفاصيل بالنسبة لي.
أذكر اللحظة التي مال فيها قدري نحو قدركِ ، شعرتُ لحظتها أني كنت محروما منكِ لسبب ما! ربما لأن الحارسيْنِ فوق كتفي لم يسجلا الذنوب الكافية لتوبتي ، ربما لأن من كنت أقص عليهم أحلامي لم يفهموا معنى الحسرة والندم في كلماتي ، يتوجب عليَّ أن أعطيكِ جدولاً يوضح الإحالات الكثيرة في حياتي التي لم أكن أجرؤ على الدفاع عنها.
حبكِ وحده أنقذ القليل منها ، وأجمل ما تم إنقاذه هو التمسك بعدم التكتم على الكوارث التي تدور في رؤوسنا، كنت أظن أن ما يكون الشخص هو النسيان، لكن أنتِ أكبر دليل على أن النسيان تمزق و جرح بلا علاج.
الذاكرة مرعبة لكنها تكرار للجميل الذي أصبح حياة يومية في لحظة من لحظات حياتنا، أنتِ هذا الجميل ولن يكون نسيانكِ أسهل مع الزمن، عليكِ أن تكتبي عن الحنان الذي كنت أعتبره خيانة، عن الجهل الذي أعتبره طريقاً مختصراً للسعادة، عن الموت كمهمة خارقة لم أرتكبها لأنه بمثابة إحسان نقدمه للنفس ، لم أكن أبدا شريراً، لم أكن أبدا طيباً، لكن يومَ عرفتكِ أصبحتُ إنساناً.
لم أكمل شيئاً في حياتي على أكمل وجه سوى الكتابة عنكِ ، عن تعلّقي بكِ ، عن اعتباري الحياة في وجودكِ حفلاً رسمياً نرقص فيه أنا و أنتِ على إيقاع مطابق للحقيقة ولا يعرف الكذب، اكتبي عن أني أسخر من حس الاستقامة لأنه يشبه أدوات التعذيب ، عن كيف مشينا طويلاً في هذه الحياة وحيديْنِ نحلم بذراع نمسك بها في عالم معرض للسقوط في ظلام كئيب ، وحدكِ قادرة على كتابة كل شيء عني، خاصة أفضل ما عندي وهو حبكِ.
.
*(محمد الترهوني.. روائي وكاتب وناقد- ليبيا)
تابعونا على صفحة الفيسبوك: https://www.facebook.com/alwasatmidlinenews



