إضاءاتالعناوين الرئيسية

“الإسوارة” .. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط

.

سنوات بداية الستينات كانت المرحلة الرومانسية للدراما الرحبانية، حيث قدموا أعمالاً تتصف بتغليب العواطف البشرية على ما عداها من أمور حياة الإنسان الكثيرة والمختلفة. فكانت مسرحيات مثل: (جسر القمر 1962) و(الليل والقنديل 1963) و(حكاية الإسوارة 1962)، وهذه الأخيرة كانت فيلماً تلفزيونياً وليست عملاً مسرحياً. بعد تلك المرحلة اتجه المسرح الرحباني نحو بناء الأعمال حول فكرة سياسية حتى وإن تضمن العمل نواحيَ أخرى، وكانت البداية مع (بياع الخواتم 1964).

تضمنت الأعمال الرومانسية ملاحم حقيقية في “الليل والقنديل” و”جسر القمر”، بينما تميزت “حكاية الإسوارة” بقصة شديدة البساطة في بيئة قروية حيث –كما كل القرى الصغيرة في العالم- لا يجد الناس ما يشغلهم سوى مراقبة بعضهم البعض، واختراع تفسيرات متخيَّلة لكل تصرف أو حدث.

قلت كل قرى العالم، وأعنى في تلك الحقبة، حيث يمكن –مثلاً- لقارئ روايات “أجاثا كريستي” التي بطلتها “الآنسة ماربل” والتي تدور أحداثها دوماً في الريف الإنكليزي، أن يلاحظ حرص “كريستي” على عرض واقع هذا الريف الواسع جداً إظهار أن هواية سكانه المفضَّلة هي مراقبة بعضهم البعض واختراع الشائعات التي بالتأكيد لا أساس لها من الواقع.

ما كان واقعاً في أربعينات القرن الماضي واندثر في أرياف بريطانيا، ما زال حياً حتى يومنا هذا في مدن وريف بلدان كثيرة من العالم الشرقي، ولا أظنه سيندثر. تبعات هذه الهواية الخطيرة تصل أحياناً إلى هدم مستقبل إنسان، وفي بعض الأحيان قد تؤدي إلى حدوث جرائم القتل أيضاً.

سخر الرحابنة من هذه الهواية بأسلوب بالغ الرقي، وتعاملوا معها كجريمة تستوجب البتر الناعم، عندما عرف سكان القرية أن إسوارة عليا التي شغلتهم وأجهدت تفكيرهم بتخيّل أحداث وظنون عن مصدرها، ليست سوى إسوارة عادية، وليست ذهباً، قدمتها عجوز نبيلة كهدية للصبية التي ساعدتها بحمل سلتها، وحملت لها اللوز والزبيب، وأسعدت ليالي وحدتها بصوتها الساحر وغنائها الشجي. لطمة وصدمة حصل عليها “سبع” عندما أظهرت العجوز أنها تراه مع صحبه يتلصصون من النافذة فتدعوهم للدخول بكل كرم ومحبة.

من المجحف بحق هذا العمل الرائع أن أسرد تفاصيل أحداثه بالغة الجمال في سطور. ومن حسن الحظ أن العمل متوفر على موقع “يوتيوب”، لذلك أوجه دعوة بإلحاح عظيم أن تخصصوا 50 دقيقة من وقتكم (وهي مدة العمل) للاستمتاع بتلك المعالجة الراقية لهذه الجريمة الاجتماعية. احفظوها، وعلموا أولادكم أن يعلموها لأولادهم، لنصل بمجتمعنا بعد جيل -على الأقل- إلى درجة سامية من التوافق والتقدير بين أفراد المجتمع واحترام الذات الإنسانية عبر عمل صغير جاد به سلف صالح منذ ستين عاماً.

أقترح أولاً الاستماع إلى العمل عبر هذا التسجيل عالي الجودة الصوتية مع شروحات مبسطة وضرورية عبر هذا الرابط:
ومن ثم، ولو بنوعية صورة منخفضة الجودة، أقترح مشاهدة العمل مرة ثانية مصوراً بالكامل في هذا الفيديو الوحيد المتوفر على النت:
نسخة أخرى، صوتية فقط عالية الجودة، مع شرح جميل للأحداث، مع اهتمام خاص بالجزء الأجمل من العمل وهو صوت العجوز المتوفي يتحدث مع زوجة (العجوز صاحبة الإسوارة) حديثاً يدفع دموع الفرح أن تسعدك بهدوئه وبعذوبة حديثه وبسمو فكره:
.

 

*(مراد داغوم.. مؤلف وموزع وناقد موسيقي سوريا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى