إضاءاتالعناوين الرئيسية

لعنة يونس .. د. محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

لم يستطع جميل الانتظارَ طويلاً على قلّةِ ذات يدِه، وضيقِ الحال، فهو لم يتقاضَ أجرتَه الأسبوعيةَ عن الشّطفِ والغسيلِ من صاحب المطعم الذي كان يعمل فيه قبل إغلاقِه كسائرِ المطاعم الأخرى كإجراء احترازيٍ منعاً لتفشي فايروس الكورونا ، فلقد أنفقَ معظم ما وفَّرَه من مالٍ ، ولم يتبقَّ لديه ما يكفي سوى لشراءِ بضعةِ أرغفةٍ من الخبز، كما أنه لم يعد يحملُ إلى بيتِه ما يزيدُ من طعامٍ على موائدِ الزبائن ، ليقتاتَ بها عيالُه.
توجّهَ جميل إلى منزلِ صاحبِ المطعم بعد السادسة مساءً وقد نال الجوعُ من أفراد عائلته، غيرَ مقدِّرٍ لصرامة التعليماتِ الصّادرة عن المعنيّين فيما يتعلّقُ بتقييد الحركة وحظر التجوالِ في الشوارع والأزقّة تحاشياً لعدوى الإصابةِ بالفيروس اللعين. ولعل فقرَ جميل الأزليَّ أشدُّ شراسةً من الكورونا نفسِه؛ فقرٌ كاد يقتلُه إنّما ببطءٍ بالرغم من بقاء تنفّسِه وحرارة جسمه ضمن الحدودِ الطبيعية. أما زوجته فقد كانت قبل زواجها ممتلئةَ القوام إلا أنها أخذت تذوبُ تدريجياً بعد سنتين من الزواج حتى كادت تصير بخفة الريشة من الهزال الناتج عن قلة الطعام وعدم تناول الحصّةِ الغذائية اللازمة للبدن. حتى أطفاله الثلاثة تراهم فاغري الأفواه بشكلٍ دائم ، ينتظرونَ في كلّ لحظة ما يقيم صلبَهم.
انطلق جميل بدايةً من الحارة الخلفية الملاصقةِ للبيوت ذات الأسقف المعدنية قاصداً الشارعَ العريض، لكنه فوجىء بخلوِّه نهائياً من المارّةِ عدا بعضِ القططِ التي أخذت وقتَها وراحتها في نكش الأكياس السوداء داخل إحدى حاويات القمامة.
انتاب جميلاً بعضُ الخوف، فالجوُّ من حوله موحشٌ بلا شكّ ،ولا أحد معه يؤنسُ وحدتَه، ومع ذلك فقد أصرَّ على خرقِ الحظر ساعياً لأخذ رزقهِ وشراء ما يمكنه لإطعام عائلتِه. وما إن اقترب من الإشارة الضوئية الأولى في ذلك الشارع حتى رأى مجموعةً من رجال البوليس واقفين يترصّدون أيَّ خرق قد يحصل. ارتعدت فرائصُه خوفاً فاختبأ خلف عمودِ الإشارة الضوئية لبرهةٍ يفكّرُ في طريقةٍ تخرجُه من المراقبة لينطلقَ بعدها إلى الشارعِ الخلفيّ الموازي للشارع العامّ حيث بيتُ صاحب المطعم.
وما إن همَّ بالركض حتى لمحه أحدُ رجال البوليس فاستوقفه بكلّ لطف وهدوء قائلاً : ماذا تفعل هنا يا مواطن؟
قال جميل وقد اصفرّ وجهه من الخوف وكأنه على وشك الانهيار: أنا ذاهبٌ لأقبض مستحقاتي من صاحب المطعم الذي كنت أشتغل عنده، فليس لديّ الآن أيةُ نقودٍ أشتري بها طعاماً لأطفالي الجياع.
قال الضابط: يا مواطن، جميع الطرقاتِ الآن مقطوعةٌ كيف ستذهب إلى صاحبِ المطعم؟
قال جميل: لا حاجة لي لركب “السيرفيس”  سأذهب مشياً على الأقدام.
قال الضابط: لا يمكن أن تفعلَ ذلك، اركب سيارة الشرطة الآن مع يونس وهو سيأخذُك إلى الفرع، وهناك في الفرع يعالجون وضعك.
قال جميل: أرجوك سيدي لا حاجةَ بي للذهابِ إلى الفرعِ، فبيت صاحب المطعم قريب، على بُعدِ ثلاثِ دقائقَ مشياً على الأقدام.
عاد الضابط يقول له: الأفضل لك يا مواطن أن تذهبَ إلى الفرع، هناك سيعالج لك يونس الوضعَ بكل لطف.
نادى الضابط على يونس قائلاً له: يا بني خذ هذا المواطن وأوصله إلى الفرع، وعالج له وضعه ، لكن “بلا مشاكل”، فهمتَ؟ “بلا مشاكل”.
تحمَّس يونسُ كثيراً لمرافقة جميل قابضاً على معصمِه بكلّ حنان ورأفة، مصطحباً إيّاه إلى الفرع، ثم قال للضابط: حاضر سيدي، سأعالج له وضعَه كما أمرتَ.
في الفرع عالج يونسُ وضعَ جميل، فأمَّن له عشاءً فاخراً ونومةً هانئة إلى أن لاحَ الصباح، فأيقظه على الإفطار مع صوت فيروزَ قبل أن يودِّعَه بكلّ الحب.
ذهب جميلٌ إلى بيت صاحب المطعم يدقُّ عليه البابَ عند الساعة السابعة صباحاً ليأخذَ أجرته عن آخرِ أسبوع قضاه في الغسيل والشطف. ذُهلَ صاحبُ المطعمِ من منظر وجه جميل المنتفخِ، والملوّنِ بالأزرق والأحمر، فقال له: من أنت؟ قال له: أنا جميل وهذه هويتي. قرأ صاحبُ المطعمِ مفصَّلَ هويّتِه ثم قال له: وماذا تعني لي هويتُك الشخصية؟ قال جميل: أنا مَن كان يغسلُ ويشطفُ في مطعمك آخرَ الليل بعد انفضاض الزبائن. قال صاحب المطعم: فهمتُ وماذا تريد مني؟؟ ثم قل لي: هل أنت مصاب بالكورونا حتى ازرقَّ واحمرَّ وانتفخَ وجهك؟ قال جميل: لقد كنتُ أمسِ في ضيافة يونس. قال له: ومن يكونُ يونس هذا؟ قال له: لا عليك ،المهم أنا أريد أجرتي عن الأسبوع الأخير الذي أمضيته أعملُ في مطعمِك. زمجرَ صاحب المطعم غاضباً حالفاً الأيمانَ المعظّمةَ أنه قد دفع أجورَ جميعِ العاملين قبل أن يغلق المطعمُ أبوابَه.
بكى جميلٌ بحرقة وأخذ يطلب منه أيّ عونٍ ماديٍّ،كصدقةٍ أو زكاةٍ إن لم يصدّقْ روايةَ أجرتِه في الأسبوعِ الأخيرِ، ريثما يأذن اللهُ له ويجد عملاً يؤمّنُ له قوتَ عائلتهِ، لكنَّ رجاءَه وتَوسُّلاتِه ذهبَت أدراجَ الرياح، فقد أغلق صاحبُ المطعم البابَ في وجهه طارداً إيّاه.
قال له من خلفِ الباب: اسمع أيها المرابي،ما دمتَ هكذا سارقاً لتعبي،فاستعِدَّ للخبر الصاعقة؛ أنا مصابٌ بالكورونا وهوّيتي التي حملتَها متخمةٌ بالفيروسات، ولقد جازاك اللهُ على طردي من بابك وستموت حتماً بالكورونا، وستصعدُ إلى جهنَّمَ قريباً إن شاء الله.
جُنَّ جنونُ صاحبِ المطعم، وصار يولول من خلف الباب ينادي زوجته لتعطيَه الكحولَ وتجهزَ له الحمامَ ليستحمَّ.
استند جميل بعدها إلى حافة الدرج مغمضاً عينيه حزيناً، ومكسورَ الخاطر، يفكرُ بمصيره بعد أن حاصره العوزُ من كل مكان، زوجته وأولاده يتضوّرون جوعاً، وحالُه تسير من سيء إلى أسوأ.
فجأة تذكرَ سؤالَ صاحبِ المطعمِ عن إصابته بالكورونا فراقَته الفكرةُ، وقرّرَ أن يستغلَّ شكلَ وجهه المتورّم ويصطنعَ السعالَ والعطاسَ ليجمعَ رزقَه. وأثناءَ عودتِه إلى بيته مرَّ في الطريق على أحدِ الأفرانِ ليشتريَ ربطةَ خبز، فاندسَّ وسط الزحام يعاركُ هذا ويلكز ذاك، ثم يسعل ويعطسُ والناسُ تفرُّ بعيداً منه مخافةَ العدوى، إلى أن استطاع أخيراً الوصولَ إلى نافذة البيع وأخذ الربطةَ. قال في نفسه بعد أن نجحت خطةُ شراء ربطة الخبز: لمَ لا أدخل محالاً تجاريةً وأتبضَّع منها بالطريقة عينِها؟ فإن نجحتُ في أخذ الأغراض كان بها، وإن لم تنجحِ الخطةُ فسأقولُ إني نسيتُ النقود في المنزل وسأعود لأخذِ الأغراض. وبالفعل دخل جميلٌ في صباح اليوم التالي أحد المحالِّ، وحمل سلةً يضع فيها ما لذَّ وطابَ من بضائعَ تكفيه وعائلتَه أسبوعاً ، ثم وقف عند الصندوق وحين وصل دورُه وانتهى الموظّفُ من تسجيل الأسعار وإخراج الفاتورة رتّب أغراضَه المنتقاة في كيسين كبيرين، ثم أدخل يدهُ في جيبه مُخرجاً منها منديلاً ورقياً وبدأ يعطسُ فيه عدةَ عطسات، أتبعها بسعال ديكي ذي صفيرٍ ناعم، ثم أدخل يده في جيبه الثاني وعاد فعطس وسعل بشكل متقطّع وكأنه رجلٌ عجوز. ذُعِرَ عاملُ الصندوق من هول ما رأى، وأصبح حاجباه كأشواك القنفذ، فما كان منه و كلِّ من وقف في الصف من الزبائن إلا أن لاذوا بالفرار. وبلحظةٍ واحدة حمل جميل كيسَيه وخرج بعيداً وهو يتلفّتُ خلفه بين لحظة وأخرى، إلا أن أحداً لم يلحق به خوفاً من الكورونا. وهكذا أصبحَ يفعلُ كلَّ يومٍ،إلى أنْ فَشِلتْ محاولتُه عند أحد حوانيت لحم الدجاج، إذ قبضت عليه دوريةُ الشرطة في الشارع متلبّساً، وقُدِّم إلى الضابط المترجّلِ الذي سأله بهدوء عن سبب ما قام به، فقص عليه مأساتَه وقلةَ حيلته وجوعَ أطفاله، الأمر الذي دفعه لانتحال شخصية المصاب بالكورونا . وهنا حزن الضابط كثيراً حتى دمعت عيناه وقررَ العفوَ عنه. وقال لجميل: سأعفو عنك وأرسلُك إلى بيتك،لكن لا يمكنكَ الآن المشيُ فقد بدأ حظرُ التجوالِ، والساعةُ تجاوزتِ السادسةَ مساءً، وجميعُ الطرقات قُطِعَت فكيف تذهبُ إلى البيت؟
قال جميل: لا مشكلة أستطيع تدبُّرَ أمري. قال الضابط: لا ، لا انتظر. نادى الضابط على يونس قائلاً له: خذ جميل إلى الفرع ليعالِجوا له وضعَه.
صرخ جميل خائفاً والعرقُ يقطر على جبينه: لا لا أرجوك يا سيدي،لا حاجةَ للذهاب إلى الفرع فوضعي معالَج من المرة الماضية، بيتي قريب، ثلاث دقائق مشياً على الأقدام.. قاطعه الضابطُ قائلاً: الأفضل لك الآن أن تذهبَ إلى الفرع، و نادى يونسَ: يا ابني يا يونس سر مع جميل وأوصِله إلى الفرع وعالج له وضعَهُ، “بس..بلا مشاكل بنوب.. مفهوم يا يونس؟؟!!”. تحمَّس يونسُ كثيراً لمرافقةِ جميلٍ من جديد قابضاً على معصمِه بحنانٍ ورأفةٍ مصطحِباً إيّاه إلى الفرع، ثم قال للضابط مبتسماً: حاضر سيدي سأعالجُ له وضعَه. عاد فاستدرك حديثه بالقول: “سيدي..المرة الماضية غسلت جميل بالكلور مشان الكورونا.. شو رأيك هالمرة أغليه؟؟”.
قال الضابط: قلت لك عالج وضعه.. “بس بلا مشاكل”.

 

*أديب وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى