إضاءاتالعناوين الرئيسية

“أبو حسين” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …
.

 

ما تزال عاداتنا البالية، وعواطفنا الجياشة، تستدرجنا إلى غياهب الجهل والتخلف، وتعمي بصائرنا عن موقعنا الحقيقي على خارطة العالم المتحضر.
ترانا – مع الأسف- نعتاش على أحلام واهية، نجتر تاريخنا وتراثنا في كل لحظة من لحظات حياتنا، تأسرنا العبارات الطنّانة، وتشغل بالنا صغائر الأمور.
نجهل المعنى الحقيقي للصبر، مع أن تراثنا من الأمثال الشعبية يشهد على أن الفرج مرهون بالصبر.نهدر عمرنا بإضاعة الوقت، لكننا نتبجح كل يوم، وفي كل موقع، بأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. أعداء ألدًة للقراءة، مع أن ربنا العلي القدير قد خصنا دوناً عن العالمين بآية “إقرأ”.
ندًعي برَّ آبائنا وأمهاتنا بالصوت والصورة، وكذلك يدًعي معظم آبائنا وأمهاتنا حبَّنا اللامحدود. لكن أكثر أهالينا المبرورين يُقحموننا مع الأسف في معارك خاسرة تنطلق من مبدأ وجوب إنكارنا لذاتنا، وإجبارنا على اجترار فرضية مفادها أن الفضل كله كان لهم في بذرنا، وإرضاعنا، وإطعامنا، وإكسائنا، وتعليمنا، وتزويجنا، وتربية أولادنا، وتزويج أولاد أولادنا، ولكأنهم كانوا مخيَرين مثلاً إما أن يرمونا في الطرقات شُعثاً غُبراً تنهشنا الكلاب وتأكلنا القطط، أو أن نبقى عندهم نسمع منهم كل يوم نشيد الفضل وحرمان النفس، بالرغم من أن عملية إنجاب الأولاد هي وليدة متعة، وفي معظم الأحيان لا تكون عن سابق إصرار وترصد، وفي كلتا الحالتين لا ذنب للأولاد المولودين في كل ما يحدث.

إن أراد أحد ما رؤية بطاقة تعريفنا تجدنا نكتب عليها أسماءنا الثلاثية، وأحياناً الرباعية، وربما الخُماسية، فنضمُّ إليها اسم الأب، والجد، وجد الجد المبجلين المؤلهين، لكننا في الوقت نفسه نتبارى في الشعر قائلين: ليس الفتى من يقول كان أبي.. إنما الفتى من يقول ها أنا.

ترتعش أجسادنا من أفلام ومسلسلات بطولات العرب الغابرة التي تحكي قصة الغضنفر والمعصفر والمبعثر والمدعبل، وتذرف عيوننا الدموع تأثراً بمشاهد الحلقات التلفزيونية التي تحكي ملحمة مهند ونور، نعيش في كل رمضان أيام المجد مع باب الحارة نتذكر بها معارك اليرموك وحطين وعين جالوت وميسلون، نتأثر بسيرة حياة هيفاء وهبي وأليسا وأبي وديع، ونتقمص شخصية جورج قرداحي في مجالسنا ونقاشاتنا.

كل ذلك يمكن تقبُّله في عالم ممتلئ بما يعرف بالفوضى المنظّمة، أو أن ذلك هو جانب من واقع تردّي الحالتين الثقافية والاجتماعية لبني يعرب بشكل خاص، التي لا، ولن يأسف عليها أحد في هذا العالم. لكن أن يصل بنا المقام أن نلبس الآخرين من غير العرب قبعاتنا، فهذا والله لأمر عجيب غريب، ويتطلب حتى من أعقل العاقلين إعادة النظر في جدوى عقلانيتهم، وربما إعادة برمجة أفكارهم لتتلاءم من جديد مع مستجدات العصر.

ما زلت أذكر أنه في حفل تنصيب رئيس الولايات المتحدة الرابع والأربعين صدحت معظم القنوات الفضائية العربية والعاربة والمستعربة بعنوان مجلجل مبهر ابتهاجاً بهذا الحدث التاريخي: باراك حسين أوباما، رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية.

إحساس غريب، ومشاعر عجيبة متناقضة كانت قد اعترتني عند سماع هذا الخبر. فبالرغم من أنني كنت أعرف سلفاً أن حسين هو اسم “العكيد” أبي باراك، لكنني لم أتوقع أبداً أن يعلن تنصيبه في إحدى القنوات العربية المعروفة بعنوان كهذا، ولا أدري كيف أصف طبيعة هذا الإحساس، فقد شعرتُ بأن أمة العرب ستعيد احتلال العالم لتصل إلى ما وراء البحار، وستسترجع بالتأكيد ملكها الضائع في قرطبة وأشبيلية، وستستعيد كذلك أراضي الفتوحات في القوقاز وأفريقيا الوسطى وعلى أبواب سور الصين العظيم، وبالتأكيد ستكون نيويورك مربط خيلنا.

كفانا أحلاماً وشعراً وتعبيراً، ثم كفاكم أيها الإعلاميون المستعربون أساليب التخدير والتحنيط والتكفين، كفاكم استدرار عواطف البسطاء من الناس، فهذا أمر يزيد في تخلفنا تخلفاً، كفاكم جعلنا نشعر بأن أبا حسين كان سيخلصنا باسمه الغالي على قلوبنا من أغلال القهر والتخلف، وسيسوق مجدنا إلى العلياء.

رحمك الله يا إبراهيم اليازجي إذ قُلت:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طمى الخطب حتى غاصت الرُكَب
فيم التعلل بالآمال تخدعكم
وأنتـم بيـن راحــات الفنـا سلب
.

*أديب وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى