جنون أبيض .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …
ويسألونك عن الجنون!
قلت وما تداعت له من أسماء وعناوين تشي بمضمرات حياتنا المتسارعة بتحولاتها، من «فردوس الجنون» رواية الكاتب أحمد يوسف داود إلى ما قبلها «دفاعاً عن الجنون» لممدوح عدوان، لـ «مجنون الأمل» لجورجي أمادو، وليس انتهاءً إلى ما دونه الفيلسوف ميشيل فوكو في كتابه الأشهر «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» لكن مع هذه العناوين وسواها ثمة ما صرّح به ذات جنون أبيض دستويفيسكي بالقول: «لدي مشروع أن أصبح مجنوناً»، ولم يفتني بطبيعة الحال عمل درامي بعينه كان اسمهم أعقل المجانين.
لماذا الجنون إذن، ولماذا نلونه أو نذهب إلى لونه الأبيض الباذخ، لعلنا نكاد نبرأه من تهمة وشبهة فادحتين إذ العقل هو من يشي بذلك ليظل في موقعه مطمئناً لا تخطفه «سنة ولا نوم»، وعليه ظل السؤال متواتراً على الشفاه الغليظة، هل الجنون اختياراً أم طريقةً أم فكرةً فحسب؟، وثمة عمل درامي آخر كان عنوانه «عصر الجنون» لعله أصبح قديماً لأننا أصبحنا في ما بعد الجنون، إذن لا نستدعي -الجنون- بوصفه علامة لغوية فحسب، بل نظراً لما انطوى عليه من مفارقات تطاول التسمية وأنساقها ودلالاتها في عصر مختلف، إذا أشرت فيه إلى الجنون لعلك تشير به إلى العقل، فالمجنون طليقاً هو سمة حياتنا المعاصرة، وعليك أن ترى ضروب ذلك أو بعضاً منه فيما يذهب إليه بعض الشعراء والكتاب والفنانون، لا سيما أصحاب النزعات السوريالية، كان الجنون يكفيهم لئن يخلقوا قوة المثال لفنهم، وأن يفجروا اللحظة كما هو المعول على الشعراء أن يفجروا اللغة، صحيح أن ذلك كله يستدعي قدراً من الجنون حتى تتوازن الأشياء، فالأشياء هي موجودة بالطبع لكن نحن من نعيد ترتيبها أو استمراء فوضاها، لنعلل ضراوة يومياتنا الحارقة حدَّ النسيان، فإن تصبح ذهباً فذلك شأن إبداعي خالص، لكن أن تنتهي إلى الرماد فذلك ما يتوسل كل مقولات الإنبعاث والتخلق من جديد، هِبْ أن من نسميهم بالمجانين قد فروا من مشافيهم وركبوا باصاً واتفقوا على أن الكل سيقود هذا الباص، فليست المعضلة بمن يقود ذلك -الباص- بل إلى أين سيصل هذا الباص، وأذكر مرة أنني أجبت على سؤال لأحدهم إلى أين سيذهب هذا الباص؟ فقلت له لا أعلم إلى أين سنذهب جميعاً، حقيقة الأمر هو كان يريد جواباً واضحاً، يذهب مثلاً إلى المكان الفلاني، لكن جوابي أفزع الرجل وبدوت كأنني أعجزه بجوابي، فشق عليه أن يعرف الجواب… حقاً إلى أين نحن ذاهبون وقد أصبحنا في عراء ذلك الجنون وهذه المرحلة أي «العري» هي السهل الممتنع بعيداً عما يقال عن تواتر «الموات» من السجال إلى المخيلة إلى التأويل وسوى ذلك.
ومازال من اعتقدته مجنوناً –ذات جنون أبيض- يحدثني عن أهوال وكوارث ستأتي.. وأنا أكاد أختنق من الضحك لأن خشبة المسرح مكتظة جداً بالخائفين، فليس بوسعهم أن يبقوا أو أن ينزلوا ولو درجة واحدة… يا لها من لعبة «كلعبة الكريات الزجاجية» وأحسب أن هيرمان هيسة –صاحبها- قد وضع عقله في مكان بارد تماماً لكنه لم يجففه وأطلق حدوسه ليقرأ العالم والأشياء بأكثر من عين واحدة… فهل يكفي نعت الجنون لزمن حاضر وانتظار العقل الآتي من زمن آخر؟.
ذلك حديث الجنون ولن أبرئ نفسي من أن أحمل العدوى –لقارئ هذه السطور- ليذهب في إثر تلك العلامة اللغوية في الأدب والفنون والسياسة والاجتماع، يذهب وبين كتفيه جمرة تقول هل أصبح الجنون عقل اللحظة.. ثم ماذا؟!



