“لا مكان للأطفال” .. عمق معاناة أطفال سورية لم يسبق لها مثيل .. مـالـك مـعـتـوق ..

|| Midline-news || – الوسط …
رغم وجود عشرات الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تحمي االأطفال في النزاعات المسلحة ، يتعرض الكثير من أطفال سورية إلى كافة أنواع العنف والإرهاب ، وترتكب بحقهم جرائم بشعة من اعتقال واغتصاب وقتل وتعذيب وتجنيد قسري ، ولا تزال أوضاعهم صعبة ولا تبشر بالخير .
“لا مكان للأطفال”، جملة تختصر تقريراً مطولا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، حول معاناة الأطفال السوريين في ظل الحرب التي تعصف بالبلاد منذ العام 2011 وحتى الآن .
يقول المدير الإقليمي لليونيسيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خيرت كابالاري، إن “عمق معاناة أطفال سورية لم يسبق لها مثيل ، فملايين الأطفال فيها يتعرضون للعنف بشكل يومي، وقد انقلبت حياتهم رأسا على عقب.”
الأرقام صادمة، والحرب لم تترك مكاناً للأطفال ..
تقول اليونيسيف أن ما يُقارب الـ ٨.٤ مليون طفل سوري تأثروا بسبب الحرب الدائرة في بلادهم ، ما يعني نحو ٨٠ بالمئة من مجموع الأطفال في سورية, وتشير المنظمة الأممية في تقرير لها إلى أن الأطفال يشكلون نصف أعداد اللاجئين في دول الجوار السوري، بينهم أكثر من ١٥ ألفا عبروا الحدود من دون ذويهم, وتلفت المنظمة إلى أن هنالك نحو ٢.١ مليون طفل سوري في داخل البلاد و٧٠٠ ألف طفل في الدول المجاورة لم يلتحقوا بالمدارس.
كما تكشف أرقام اليونيسيف عن وجود مليون طفل سوري “يتيم” فقدوا أحد والديهما أو كليهما منذ بدء الأزمة السورية وحتى الآن, حيث تعتبر سورية بحسب اليونيسيف بؤرة خطر على الأطفال، يلاحقهم الموت فيها ، فهنالك آلاف الأطفال ممن فقدوا حياتهم نتيجة الحرب في البلاد .
هو الموت عينه الذي لاحق ملايين السوريين ، من طارد “فـرح” تلك الصغيرة التي يئن قلبها شوقاً إلى والدتها وخربشاتها على جدران بيتها, فرح ذات السنوات الست تخاف أحلامها التي ترى فيها دوما مسلحين يصوبون قذائفهم إلى منزلها.
كان يوماً صيفياً دافئاً ، لكن المطر لم يعد مقتصراً على فصل الشتاء, في ذلك اليوم رأت فرح تلك الأشياء الغريبة تتساقط من السماء، أزاح صوت القذائف عن السماء أصواتَ العصافير وضحكات الأطفال. انهمرت قذائف الهاون، رحلت عائلة فرح ، لكن فرح كانت محظوظة بأن تعيش لموعدٍ آخر في زمن الموت .
فرح ما زالت على قيد الحياة فيا لها من نعمة. فرح طفلةٌ وديعةٌ شُجاعةٌ جميلةٌ ذاتُ ذكاءٍ خارق، وعينينِ من عسَلٍ وغمازة “كنت قد قابلتها في السيدة زينب قبل ان ترحل ليضمها بيت عمها في حلب”، من شُرفَةِ منزِلِ عمِها في حي الراشدين بحلب، والذي انتقلت إليه بعد أن حصد الموت جميعَ أفرادِ أُسرَتِها، تُشاهِدُ فرَح القذائِفَ المُنقضَّةَ على الأهالي والمنازِل، فرَح لم تكُن خائفة من هذهِ “الصاروخات”، هكذا كانت تُسَميها.
تحدثت فرح مرةً كيفَ جاءَتِ الشمسُ كَفراشةٍ ووقفَت على نافِذتِها، أمسكًتْها فرح بِكَفِها الصغيرةِ البيضاء، قالت لها إن “كُنتِ تُحبينني أيتُها الشمس، فاذهبي إلى البحر ونامي طويلاً حتى لا تأتي “الصاروخات” وتضرِب الأطفال تحتَ ضَوئِكِ.”
رَحلَتْ فرح عِندَما اخترقَت قذيفةُ هاوِن شُرفةَ غُرفَتِها، عادَت فرَح إلى الرَحِمِ التي خرَجَت منها, فهل راودتها فِكرَةُ الموت؟ ، هل خطرَت ببالِها ؟ ، تِلكَ الصغيرةُ التي كانت وردَةً لم تتفتَح، مليئةً بالحياة، هل أشاحَ الموت بوجهِهِ عنها وهوَ ذاهِبٌ إليها حتى لا يتألَم وهوَ يقطِفُ روحَها ؟ .
كم تُشبهينَ الوطنَ يا فرَح ، وكَم يُشبِهُكِ الوطن، يُقال إنَ الموتَ رفيقُ الجمال وجميلةٌ أنتِ حتى في موتِكِ، فحتى الموت اكتمِلَ بِكِ.
هذي حِكايَةُ فرَح. وتستمرُ الحكاية فنرى ونسمعُ ونقرأُ كُلَ يومٍ عن فرحٍ جديدةٍ ترحلُ مع الراحلين. ولكِن لو سُئِلنا يوماً عندما كانت فرَح تحت السكين عندما تشظّى لحمُها الحي، ماذا كُنا نفعل فبماذا سنُجيب ؟ ، بماذا سنُجيب ؟ .
نيابة عن فرح وعن أطفال سورية وجهت اليونيسف نداء للعالم لتحقيق الآتي:
- حل سياسي وفوري للنزاع.
- وضع حد لجميع الانتهاكات.
- الوصول غير المشروط والمستمر لجميع الأطفال المحتاجين، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون تحت الحصار.
- توفير الدعم المستدام للحكومات والمجتمعات المضيفة للاجئين من أجل الأطفال المعرضين للخطر، بغض النظر عن وضعهم.
- استمرار الدعم المالي لمواصلة تقديم المساعدة للأطفال المحتاجين داخل سورية وفي الدول المجاورة.
نحن لا نكتشف قارة جديدة إذا قلنا إن الأطفال في سورية يعيشون أظلم عصور الانحطاط في هذا الزمن الموحش .. هو قدر سورية ألا تنزف سماؤها عرقا ومطراً ، بل أكبدة وأمعاء، وقدر بعض المدن ألا تنبت الأرض فيها أشجاراً بل شقائق نعمان حمراء قانية ، وابتسامات وزهرات جميلة من دم أطفالٍ شهداء .
تقول الوثائق بأنهم ميتون، لكن الله يقول هم أحياء عند ربهم يرزقون .. فتوقفوا عن تشبيك أذرعكم والنظر إلى سورية تحترق، فبإمكانكم أن تمدوا إلى أطفالها أيديكم، فالطفل السوري مازال يتعرض للموت في كل لجظة ، فلنجعل من حمايته هدفاً عاجلاً لنبقى ويبقى الأطفال السوريون على قيد حياة وقيد أمل .
يبدو أن هؤلاء الأطفال لا يملكون خياراً سوى الانتظار .. الأمر ينجح أحياناً .



