إضاءاتالعناوين الرئيسية

      كل شيء تحت السيطرة .. أيمن الدقر

|| Midline-news || – الوسط …

 

     تعرفت إلى طالبة ألمانية الجنسية، في حوالي الأربعة والعشرين عاماً من عمرها، كان قد تم إيفادها من قبل حكومتها لإجراء دراسات ميدانيَّة حول المجتمع العربي عموماً، والسوري خصوصاً. وحسب ما علمت فإن هذه الدراسة التي تعمل عليها هي مشروع للتخرج يصب في الجامعة التي تدرس بها في دولتها. أخبرتني في ذلك اليوم بأنها جاءت قادمة من مصر بعد أن أنهت إحدى دراساتها هناك، وأنه سبق لها أن زارت ليبيا والعراق والجزائر وتونس لذات الغاية، وبأنها ستقيم في سورية ستة أشهر تجول فيها المحافظات السورية، ولما سألت عن موضوع الدراسات التي تقوم بها أجابني صديقي الذي كان يلازمها وبحماس شديد بها، أن دراساتها (حول العلاقات الاجتماعية بين أبناء الطوائف والمذاهب في سورية) وبعد أن رد على سؤالي، استدار نحوها وشرح لها بالألمانية إجابته لي، فلاحظت امتعاضاً ارتسم على وجهها، بعد أن لاحظت بدورها استغرابي من الاهتمام ببحث كهذا.

تمت المعرفة بيننا من خلال صديقي المتحمس لها وهو (شاعر سوري متقن للغة الألمانية) وحسب ما روى لي، فقد التقى بالفتاة صدفة، ونشأت بينهما علاقة حب (كما قال) أدت إلى وحدة حال ومودة، وبسرعة صاروخيَّة نمت هذه العلاقة إلى أن وصلت درجة أنها صارت تطلب منه نقوداً ومساعدات مادية، كان يستجيب لها بطيب خاطر، فالرجل عشق الشقراء التي تصغره بثلاثين عاماً، ولم يجد نفسه إلَّا ذَكراً رابحاً من تلك العلاقة التي كلَّفته الكثير من المال.

وبالفعل فقد استثمرت تلك الفتاة حالة شاعرنا المتيم بالشقراوات، بأن تركت الغرفة التي كانت تقيم فيها بمنطقة “باب توما” لتوفر أجرتها، وأقامت في بيت استأجره لها صديقنا على نفقته الخاصة، وصار يتردد عليها بشكل يومي، ويصحبها إلى المطاعم والبارات والنوادي ثم يعود للمبيت معها في البيت المستأجر.

في مطعم “السنابل” الشهير القريب من شارع القصور بدمشق، كان شاعرنا يجالس شقراء قلبه وقد دعاها إلى العشاء واجتمعنا صدفة هناك، كنت مع صديق آخر يعمل طبيباً للأسنان، وعلى مايبدو فقد لاحظت الفتاة وجودي وطلبت من صديقنا الشاعر أن يدعوني ومن معي إلى الطاولة التي يجلسان إليها، ففعل إكراماً لها وانضممنا إلى طاولة واحدة، فطلبت من صديقنا أن يترجم لنا ما ستقوله، وبادرت بالحديث عن دراستها وكيف تقوم الجامعات الألمانية بإيفاد الشابات والشبان للقيام بدراسات ميدانية الهدف منها تدريب الأجيال الجديدة على البحث الميداني والاستقصائي أولاً، والتعرف عن قرب إلى مجتمعات العالم الثالث بهدف مساعدة هذه الشعوب بالنهوض واللحاق بالحضارة الغربية والتكنولوجيا والـ … ثانياً، وبالطبع شعرت بأن هذا الشرح المستفيض كان المقصود منه الرد غير المباشر على استغرابي لموضوع بحثها الذي لاحظته في اللقاء الأول.

قلت لصديقي الشاعر: سبق لي أن قرأت كتاباً حول “مخابرات الدول الكبرى” وكيف يستفيدون من أطروحات الطلاب الموفدين لخارج بلادهم للتخصص (كحال صديقته الألمانية) وكيف تصب هذه الأطروحات بمؤلفاتٍ، الهدف الظاهر منها المعرفة والثقافة، والباطن أنها تصب في ملفات وأدراج المخابرات لتخضع للدراسة والتحليل.

بعد عدَّة أيام من عدوان الولايات المتحدة الأمريكية على العراق 1991 علمت من صديقنا نبأ مغادرة شقرائه لسورية بشكل مفاجئ، دون أن تعلمه بعزمها المغادرة، وتركت رسالة صغيرة على قصاصة ورق كتبت عليها، وداعاً، كان مستغرباً وتأخذه الدهشة، والألم، والحسرة، لم أستطع تفسير حالته بدقَّة وقتها، سألته عن مبلغ من المال سبق أن استدانته منه قبل شهر ونصف، هل أعادته إليه قبل السفر؟ فقال: لا.. وأضاف: لكنها تركت لي قلم رصاص ومبراة سبق أن طلبتهما مني.. فقلت له: إذاً ألقِ بقلمك في القمامة، وابحث عن عضو في جسدك واستعمل المبراة فيه.. فقد تركتَها لك من أجل ذلك أيها العاشق.
بعد اندلاع الحرب على سورية عندما كنت تسأل أي مسؤول سوري عن أحوال البلد وما المتوقع من هذه الحرب الظالمة، فيأتيك الجواب فوراً: كل شيء تحت السيطرة!
بالفعل.. كل شيء تحت السيطرة.. ولكن سيطرة من؟

نقيب الفنون الجميلة السابق- سورية*

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى