منوعات

الغارديان ..لماذا كانت النساء المبدعات في الآداب والفنون أقل عددًا من الرجال تاريخيًّا؟

|| Midline-news || – الوسط …

كتبت بريجيد شولت، في صحيفة «الغارديان» البريطانية، مقالًا تناقش فيه أمثلة لنساء وهبن حياتهن لرجالهن، وضربت بعض الأمثلة عبر التاريخ، إذ لم تكن مارثا فرويد تعد ملابس سيجموند كل يوم فقط، بل كانت تضع معجون الأسنان على فرشاته أيضًا. ولم تكن سيليست مدبرة منزل مارسيل بروست تحضر له قهوته اليومية والكرواسون والصحف والبريد على صينية فضية فحسب، بل كانت دائمًا حاضرة متى أراد الثرثرة لساعات.

لا تُذكر بعض النساء إلا في الشدائد، مثل زوجة كارل ماركس -لم يذكر اسمها في الكتاب- التي عاشت مع ثلاثة من أطفالها الستة الباقين على قيد الحياة، أثناء قضاء أيامه يكتب في المتحف البريطاني.

وضربت بريجيد مثالًا آخر بغوستاف ماهلر، الذي تزوج من مؤلفة موسيقى شابة واعدة تُدعى آلما، ثم منعها من التأليف مدعيًا أنه يجب أن يكون هناك مؤلف واحد في العائلة. وعلاوةً على ذلك، كان متوقعًا منها أن تُبقي المنزل هادئًا تمامًا لأجله. وبعد سباحته في الظهيرة، يشير إلى آلما لتشاركه سيرًا صامتًا لوقت طويل أثناء تأليفه الصامت في رأسه. وكانت تجلس لساعات على غصن شجرة أو على العشب، لا تجرؤ على إزعاجه. واقتبست الكاتبة ما كتبته آلما في مذكراتها: «كان هناك ذلك الصراع بداخلي، شوق بائس لشخص يفكر في، ويساعدني في العثور على ذاتي، ثم سقطت إلى مستوى مدبرة المنزل».

*معضلة الفنانات

أوردت بريجيد أنها حين تنظر إلى كل الكتب واللوحات والموسيقى والاكتشافات العلمية والفلسفة التي تعلمتها من المدرسة، كانت تجد جميعها تقريبًا من صُنع الرجال. واقتبست ما قاله المايسترو “زوبين مهتا ” ذات مرة: «لا أعتقد بوجوب وجود نساء في الأوركسترا»، كما لو أنه ليس لديهم مزاج أو موهبة، لكنها ترى أن التجارب المحايدة وضعت حدًّا لهذه الفكرة.

وعادت بريجيد بالذاكرة إلى مقابلةٍ أجرتها “باتي سيالفا  حول مدى صعوبة تأليفها للموسيقى في ألبومها المنفرد؛ لأن أطفالها استمروا في مقاطعتها ومطالبتها بقضاء الوقت معهم، بطريقة لم يسبق لوالدهم بروس سبرينغستين فعلها. مما صدم بريجيد، إذ إن الأمر ليس أن النساء لم تكن لديهن الموهبة اللازمة لإثبات وجودهن في عالم الأفكار والفن، بل لم يكن لديهن الوقت.

وتعتقد بريجيد أن أوقات النساء قوطعت وجُزِّأت على مر التاريخ، وكانت إيقاعات أيامهن مقيدة بالمهام المستعصية من الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال وصلات الرحم، مما يحافظ على الروابط الأسرية والاجتماعية قوية. وأشارت إلى أنه إذا كان ما يتطلبه الأمر هو امتدادات طويلة من الوقت المتواصل والمركّز، أي الوقت الذي تستطيع اختيار ما تفعله فيه كما تشاء، والتحكم فيه، فهذا شيءٌ لم تكن لدى النساء رفاهية الحصول عليه من قبل -على الأقل دون مواجهة انتقادٍ غير اللائق يتَّهمهن بالأنانية.

وأكّدت بريجيد أنه حتى اليوم في جميع أنحاء العالم، ومع وجود عدد كبير من النساء في القوى العاملة مدفوعة الأجر، ما تزال النساء يقضين ضعف الوقت الذي يقضيه الرجال في الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، وأكثر بكثير أحيانًا. إذ أشارت إلى دراسةٍ شملت 32 عائلة في لوس أنجلوس، ووجدت أن وقت الفراغ دون مقاطعات لغالبية الأمهات لا يستمر في المتوسط أكثر من 10 دقائق على الأقل.

كما أكّدت بريجيد أن الرجال يقضون معظم أيام عملهم في فترات طويلة من الوقت، دون انقطاع للتفكير أو البحث والكتابة والإبداع والنشر، لصنع أسمائهم، والتقدم في حياتهم المهنية، وإيصال أفكارهم إلى العالم.

وأوردت بريجيد أيضًا ما كتبه ثورستين فبلن، في كتابه «نظرية الطبقة المترفة Theory of the Leisure Class»، حول أن أولئك الذين لديهم قدرة على الاختيار والتحكم في وقتهم كانوا على مر التاريخ رجالًا رفيعي المستوى. وفصَل النساء في الصفحة الثانية، وكتب أنهن -إلى جانب الخدم والعبيد- كن مسؤولات دائمًا عن العمل الكادح الذي يمكّن هؤلاء الرجال رفيعي المستوى من التفكير في أفكارهم العظيمة.

وأضافت أن باحثين نسويين جادلوا بأن النساء غالبًا ما تكون لديهن «راحةٌ خفية» ممتعة، لكنها مثمرة ومقبولة اجتماعيًا، مثل: خياطة اللحف، والحفلات، ومجموعات القراءة. ومع ذلك، فإن الراحة الخالصة وتخصيص الوقت للنفس، لا يقل جرأةً عن المقاومة الراديكالية والتخريبية. إذ يسهل على أحد الباحثين المزاح قائلًا: إذا كنتِ مثل الكاتب أو الملحن أو الفيلسوف أو الصوفي هيلدغارد من بينجن، فستصبحين راهبة.

وذكرت أن الباحثين النسويين وجدوا أن العديد من النساء لا يشعرن باستحقاقهن لأوقات طويلة لأنفسهن مثل الرجال، بل يشعرن بأنهن بحاجة لكسب الوقت، والطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي الوصول إلى نهاية قائمة المهام، والتي لا تنتهي أبدًا. واستشهدت بريجيد بما كتبته ميليندا جيتس في كتابها الجديد حول أن الأعمال اليومية تقتل أحلام العمر.

وأكدت هذا بأنها حاولت في الواقع استقطاع وقتٍ للتفكير وكتابة هذا المقال لأكثر من أربعة أشهر، وفي كل مرة تجلس فيها للبدء كانت تتلقى مكالمة مفزعة، أو بريدًا إلكترونيًّا من زوجها أو ابنها أو ابنتها، حول أن أمها تتعامل مع الغرباء، أو الأوراق اللامتناهية للأرملة الجديدة، أو بطاقة ائتمان شركة، أو ميكانيكي لبعض حالات الطوارئ، أو غيرها من الأمور التي تتطلب منها انتباهًا فوريًّا لمنع كارثة محتملة.

وتتذكر بريجيد إجراء مقابلة مع ميهالي كسيسنتميهالي، عالم النفس المشهور بتعريف حالة التدفق -وهي أقصى تجربة إنسانية حين يكون الشخص منغمسًا في مهمة هادفة ليختفي الوقت عمليًّا بالنسبة له- وهي الحالة التي يقول الفنانون والمفكرون إنها ضرورية لابتكار أي شيء ذي قيمة. وحين سَألته عما إذا كان بحثه يدرس ما إذا كانت لدى النساء فرصة كبيرة للانخراط في التدفق كالرجال، تقول إنه فكر للحظة ثم حكى لها قصةً عن امرأةٍ أضاعت وقتها في كي قمصان زوجها.

* قصصٌ لم تُرو

ضربت بريجيد مثالًا آخر بالشاعرة إليانور روس تايلور، التي عاشت حياتها في ظل زوجها البروفيسور بيتر تايلور، الروائي الحائز جائزة بوليتزر وكاتب القصص القصيرة. فأشارت إلى ما قالته إليانور في مقابلةٍ عام 1997: «على مر السنين، وفي أوقات عديدة أقول للأشعار في رأسي (اذهبي، ليس لدي وقت الآن)، لكن هذا كان جزءًا من الكسل، إذا كنت تريد الكتابة حقًّا، فيمكنك ذلك. أنا أبقي البيت نظيفًا والشموع مضاءة، وهذا جزء من الأمر».

وأوضحت بريجيد أنها تشعر بالأسف حين تفكر في القصائد العظيمة التي لم تُكتَب لمنح الأولوية لتلميع الأرضيات. إذ اعتقدت لوقت طويل أن العناية بالآخرين، وتولي تنظيف الأرضيات، وكون المرأة هي المسؤولة عن الاهتمام بتلك الأمور، هو ما أبقى هذه القصص التي لم تُحك حبيسةً بداخلها لدرجة الألم، على حد تعبير مايا أنجيلو.

أوضحت بريجيد أنها لا تدعي أن لديها عبقريةً معينة، لكنها تحلم أحيانًا أنها جالسةٌ في غرفةٍ معتمة على طاولة مطبخ مقابل نسخةٍ أخرى منها، لوقت غير محدود، تشرب كوبًا من الشاي بهدوء. فتقول لها النسخة الأخرى من نفسها: «أتمنى أن تتكرري الزيارة».

المصدر : صحيفة “الغارديان” – وكالات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى