إضاءاتالعناوين الرئيسية

فرحة العيد .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط
.

نادَتنا أمُّ مازن المنهمكةُ مع بناتِها في صنعِ معمول العيد أنا عامر ابنَ الستِّ سنواتٍ من العمر و أخي ناصر ذا الثماني سنواتٍ كي نذهبَ فوراً إلى الحلاق لقصِّ الشعرِ تجمُّلاً لصباحِ العيد وتمهيداً لارتداء الألبسةِ الجميلة المشتراةِ من سوق الصالحية وانتعالِ الأحذية الجديدة من مؤسّسة باتا في منطقة البحصة.

ذهبت وأخي بكلّ سرور ونشاط ونحن نخطِّط في طريقنا برنامجَ اليوم التالي أي أوّل أيّامِ العيد، حيث قرّرنا في البداية شراءَ سندويش الفلافل من محلّ “أبو زهير” عند منتصفِ الشارع ثمّ ابتياعَ مسدّسٍ فلّين مع الفتّيش الصيني الكبير ،
وبعدها يأتي دورُ سحبِ اليانصيب الخاصّ بأسماءِ الفنّانين على قطعٍ من الكاتو، و الانطلاق بعد كلّ ذلك إلى سينما غازي مع أولاد العمّ رند ورائد لحضور فيلم زورو أو الفرسان الثلاثة أو سوبرمان حسب المُتاح.
كان ناصر يحفظُ الطريق إلى صالون الحلاقة في منطقة المرجة بينما كنتُ مضطرّاً لصحبتِه أو مرافقةِ أبي أو أخي مازن نظراً لصغرِ سنّي و خَشيةِ الأهلِ أن أتوهَ في الطّريق فلا أعودَ إلى المنزل.
ولمجرّد وصولنا إلى الصالون وجدنا هناك بالانتظار أختَنا ميسون ذات العشر سنواتٍ، تلك الأختَ الطيّبةَ الوديعة ، لكنها المشاكسة دوماً إلى حدِّ الخصومة مع أخي ناصر ،خاصةً حينما كنّا نلعب معاً لعبة العائلة، فتأخذ ميسون دورَ الأمّ بينما يلعبُ ناصر دورَ الأب.

أما الأولاد فأحتكِرُ وأختي الأصغر نهى لعبَ أدوارِهم ،ولم يكن يُعجِبُ “ميسون” الأمَّ خلال اللعبة أيُّ تصرّفٍ من الأب “ناصر” ،وكثيراً ما كانتِ اللعبةُ تنتهي بشجارٍ بين الزّوجين. والحقيقة لم نكن نفهمُ سببَ وجودِها في صالون حلاقة للرّجال، وكان ظنُّنا أنَّ والدتَنا أمّ مازن قد أرسلتها أيضاً لقصِّ غرّتها المتدلّية على عينَيها حيث أنّ عمرها لم يكُن حينذاك يسمح بدخول صالوناتِ حلاقةِ السيدات باعتبار أنّ ذلك عيبٌ على البنات الصغيراتِ.
كان الصالون مكتظّاً بالزبائن في انتظار دورِهم لحلاقةِ شعرهم، إلى أن مضى قرابةُ نصف السّاعة وحان دورُنا، فأجلس الحلّاقُ أخي ناصراً على أحد كرسيّي الحلاقة الموجودَين في الصالون و ربطَ عنقَه بقماشٍ يقي الملابسَ من الشعر المقصوصِ بينما جلستُ أنا على الكرسيِّ الآخر في انتظار دوري.
وفي هذه اللحظة اقتربت ميسون من الحلّاق وهمسَت في أذنهِ بضعَ كلماتٍ لم نفهم منها شيئاً، وهو يهزُّ رأسَه علامة الإيجاب.
ثوانٍ ويحمل الحلاقُ ماكينةَ الحلاقة اليدويّة و يرخي رأسَ أخي ناصر إلى الأسفل بقوّةٍ دون أن يستطيعَ النظر في المرآة وليفتحَ شارعاً بين كومة شعره عند منتصف الرأسِ من “النقرة” حتى الجبينِ ثم يقاطعُهُ بشارع آخرَ من السّالف إلى السالف.

وما إن استطاعَ ناصر أن يقتنصَ نظرةً من المرآة حتى جُنَّ جنونُه، فصرخَ في الحلاق يسأله ماذا فعلَ ، فقال إنها رغبةُ “الست الوالدة” في أن يحلقَ له على الصفرِ كما نقلَت إليه أختُنا ميسون !
في هذه الأثناء خرجت ميسون من الصالون هاربةً إلى المنزل بعد أن أنهت مَهمّتَها في الاقتصاص من ناصر،
استشاط ناصرُ غضباً ، وفي طرفةِ عينٍ خلعَ عن رقبتِه فوطةَ القماش ، وخرج من الصالون يصرخُ منادياً على ميسون : لأقتلَنَّك والله.
أما أنا فصرتُ أبكي لأنني لا أعرفُ طريقَ العودة إلى البيت وناديتُ على الحلاق راجياً أن يوصلَني إلى البيت مُستغنياً عن حلاقةِ شعري ،لكنّه تمتمَ بكلمات وكأنّه يسبُّني، وأخرجَني من صالونه قائلاً :
إبقَ هنا على العتبة إلى أن يأتيَ أحدٌ لاصطحابِك!
جلست على العتبةِ أبكي إلى أن وصلَ أخي مازن ، بعد أن عرفَ ما حصل، تاركاً صاجاتِ المعمول التي كان ينقلُها من المنزل إلى الفرن ذهاباً وإياباً.
وفورَ عودتِنا إلى البيت جلس مازن يُصلِحُ لناصر قَصّةَ شعرِه التي أصبحَت لاحقاً موديلاً حديثاً أُعجِب به كلُّ الصِّبيَةِ من أبناء جيراننا.
.

*أديب وقاص- وزير التعليم العالي السابق- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى