إضاءاتالعناوين الرئيسية

سن اليأس .. د. محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

ضمن وفد رسمي، سافرتُ واثنين من زملائي في إدارة جامعة دمشق إلى مدينة عربية قريبة، قاصدين هناك التعرف على مركز تدريبي إعلامي تابع لجامعتها، ولتبادل الخبرات مع القائمين على ذلك المركز، في مسعى منّا لتأسيس مركز تلفزيوني وإذاعي، يحاكي مركز جامعتهم.

ولقد كانت تلك الزيارة ناجحة بكل المقاييس، بدءاً من كرم الضيافة، مروراً بنتائج الاجتماعات والمقابلات، وانتهاءً بكرم ماء السماء، الذي كان يشق طريقه بلا انقطاع في رحم الأرض العطشى، مرافقاً إيانا طوال أيام الزيارة، ما جعلها أياماً غاية في الخصب والجمال، حقاً كانت رحلة رائعة.

أُسْكن وفدنا خلال هذه الزيارة في إحدى بيوتات الضيافة التابعة للجامعة، المجهّزة بكل ما قد يحتاجه المرء من مأكول ومشروب، إضافة إلى ما هو مرئي ومسموع.

وفي ثاني أيام الزيارة، وبعد عمل مضنٍ لكثرة الاجتماعات واللقاءات طوال النهار، جلسنا مساءً- نحن أصدقاء السفر الثلاثة – في غرفة جلوس بيت الضيافة، نتسامر الحديث. وقد كانت ترد على خاطر كل منّا ذكريات كثيرة، قصص عن أيام المدرسة والطفولة، وعن الجامعة، وعن زملاء العمل، بما فيها قيامنا أخيراً بفعل الاستغابة لبعض معارفنا المشتركة.

وهكذا، ما إن انتهت جعبتنا من تلك القصص حتى حطّ بنا الرحال أمام شاشة الرائي، راغبين في مشاهدة ما يسرّ قلوبنا قبل معانقة الوسائد.

وقد تذكّرت، وأنا أقلّب في القنوات الفضائية المتاحة على شاشة التلفاز، عرض قناة سما، إحدى القنوات الفضائية السورية، لمسلسل كوميدي، كان عنوانه “يوميات مدير عام”. وللصدفة فقد كنّا جميعاً، نحن الأصدقاء الثلاثة، من متابعي أحداث هذا المسلسل، ومن المتّفقين على حجم إمتاعه، بالرغم من أن حلقاته الثلاثين قد سبق عرضها لعشرات المرات، على قنوات تلفزيونية مختلفة، أرضية وفضائية، إلا أنَّ أحداثه وشخوصه ما زالت تسكن معظم عقول وقلوب الناس، نظراً لما فيها من ملامسة للأحاسيس، ومن مضغ للهموم.

وبالفعل أخذنا نحن الثلاثة، الواحد تلو الآخر، نتناوب على عملية البحث عن محطة “سما” الفضائية ضمن قائمة طويلة وعريضة من المحطات المختلفة المتاحة على اللاقط “الريسيفر”، لكن للأسف لم يستطع أحد منا أن يحظى بتلك القناة ضمن القنوات المختارة على قائمة مستقبل البث، أو “بالريسيفر”.

وبعد نقاشنا المستفيض حول طريقة البحث عن الحلول الممكنة، قررنا متفقين القيام بإعادة إقلاع كاملة لعملية “توليف” القنوات، أملاً بالحصول على قائمة جديدة من المحطات تحتوي القناة المقصودة. وكسباً للوقت، سعى صديقي ماجد عبر اتصال هاتفي مع زوجته في دمشق للحصول على رقم التردد، والتي قامت بدورها، بعد أخذ ورد، بتزويدنا بالمطلوب عبر رسالة هاتفية قصيرة.

وهكذا بدأت عملية البحث عن تلك المحطة المبتغاة، فقمت على الفور باستلام قيادة رحلة “التوليف”، متمسكاً بدور رئيس الوفد. وما هي إلا لحظات حتى بانت لي مئات الترددات المتاحة بعد أن تنقلت بين الأقمار، حتى خلت نفسي محلّقاً بين النجوم.
وبعد عدة دقائق من ممارسة “التوليف”، بدأت تلك المحطات التي كانت موجودة قبل عملية “التوليف” بالضياع، واحدة تلو الأخرى، فإذا بمعظم الترددات تتخبط، وبالأقمار تتهاوى، لتظهر لنا في النهاية محطات عجيبة غريبة، تحكي لغات سنسكريتية أو لهجات أكادية، ثم أخذت الرؤية بعدها تغيب شيئاً فشيئاً، إلى أن ظهرت على شاشة التلفاز إشارات عجيبة، لم يعد أحد منّا يفهمها.
وفي لحظات الإحباط التي اعترتنا من قرب انتهاء الحلقة، من دون أن نحظى بمتابعتها، وتأخرنا في اصطياد قناتنا المطلوبة، أتتنا رسالة قصيرة عبر هاتف صديقي ماجد، لتخبرنا فيها زوجته أنها متأسفة جداً، وأن التردد السابق للمحطة المطلوبة الذي سبق لها أن أرسلته لنا، لم يكن صحيحاً، مرفقة رسالتها التردد الجديد الصحيح.

أبعدني صديقي الكابتن ماجد عن مقود “التوليف”، غير مكترث برئاستي للوفد، ليدير بنفسه دفة البحث عن المحطة المطلوبة، معتدّاً بعلومه الهندسية، ومتحدّياً علومي الصيدلية في إنجاز عملية “توليف” الأجهزة الالكترونية، فما كان من بقية المحطات، التي كانت ظاهرة على الشاشة إلا أن أقرأتنا السلام، ثم غابت عنّا من دون رجعة. أخذت أنوار التلفاز بعد ذلك تخبو شيئاً فشيئاً، إلى أن سكت صهيله عن الكلام المباح، كما فعلت شهرزاد بشهريار.
أصابنا في تلك اللحظات إحباط كبير، فحاولت جاهداً التخفيف عن صديقيَّ اليائسين، مقترحاً عليهم حلقة جديدة من عملية البحث و”التوليف”، إنما عن القنوات ذات البث الأرضي، فالمساء ما زال في أوّله، والأمطار الغزيرة تمنعنا من التسكّع في الشوارع، والبرد يحتّم علينا خياراً وحيداً، ألا وهو البقاء في البيت متسمّرين، وإلا فبين حنايا السرير.
وافقني الصديقان العزيزان على مقترحي من دون تردد، فأبعدت المهندس ماجد عن التلفاز، بعد أن قضى بطريقة توليفه على جميع احتمالات مشاهدة القنوات الفضائية، وباشرت عملي بعملية البحث، إلى أن تمكنت بعد جهد جهيد من الوصول إلى إحدى محطاتنا المحلية الأرضية.

كم كانت سعادتنا كبيرة بهذا الانجاز التقني، سعادة لا توصف، كيف لا؟، ورائحة الوطن نشمها أريجاً، يفوح عبر الأثير.
واستعداداً لهذا الظرف “الطارق” – كما هو عنوان إحدى الأفلام المصرية- لبسنا ثياب الراحة، وجهزنا ما طاب من المقبلات، واتخذنا أماكننا على الأرائك مضطجعين، أو أنصاف مضطجعين، علّنا نستمتع ذلك المساء بفيلم كوميدي جديد، أو بمسلسل درامي ممتع، أو ببرنامج ترفيهي مسلّ، وبخاصة أن الساعة كانت قد تجاوزت حينها التاسعة مساءً، وهذا يعني أوقات ذروة المشاهدة الممتعة، بعد عناء وتعب الناس من يوم عمل شاق.
بعد جملة من الإعلانات، استعداداً للبرنامج التالي، إذ بإشارة مجلجلة تعلن عن برنامج حواري. استهجنت في بداية الأمر، وكذلك صديقاي، عرض برنامج حواري في سهرة مسائية، فالمرء عادة غير قادر على التركيز مع المتحاورين ساعة بدء الانسحاب إلى الفراش. مع ذلك، صبرنا حتى نهاية شارة الافتتاح، فلعل البرنامج يحكي عن هموم الناس، وبالتالي فإن همومنا هي جزء من تلك الهموم، ولا مانع لدينا إذن من متابعته، وبخاصة أن المشاهدة كانت هي الحل الوحيد المتاح لنا، وإلا فإلى عالم الأحلام.
وبعد شارة الافتتاح، استهلت المحاورة الفذة، مقدّمة البرنامج المخضرمة، ذات التاريخ الإعلامي الحافل، حلقتها الحوارية بعنوان عريض صاخب:
“سن اليأس”، ما هو سن اليأس؟، ومتى تصل المرأة إلى سن اليأس؟، وماذا بعد سن اليأس؟

ثلاثة أسئلة، خارقة حارقة، أتت علينا كالصاعقة المجلجلة بعد أن أصابنا يأس ما بعده يأس في استعادة مشاهدة مسلسلنا المحبوب، فإذا بتفاؤلنا يتحطم على عتبات عنوان ذلك البرنامج، وبأحلامنا تضيع في غياهب سن اليأس.
ولكن ما علينا، استقبلت محاورتنا العزيزة اثنين من باحثي علم النفس كضيفين لحلقتها، وربما لتخلص معهما إلى نتيجة يمكنها أن تفيد مجموعة من متابعيها اليائسين أمثالنا.

أخذت العزيزة المحاورة تقذف بأسئلتها النارية على الضيفة الأولى بتعالِ واضح، وكأنها قد أصبحت ثقافة عامة لدى العديد من إعلاميينا، مفادها أن استقدام الضيوف وإظهارهم على شاشة التلفاز هو شرف كبير يمنح لهم، الأمر الذي يستوجب من هؤلاء الضيوف أن يخنعوا لرغبات وأهواء المستضيفين، أو إن الاستضافة هي بحد ذاتها تكريم عظيم يقدّم إليهم، يوازي منحهم جائزة “الأوسكار”.

باشرت مقدّمة البرنامج ضيفتها الأولى بالسؤال قائلة: عرّفي لي- إذا سمحت- بداية ما هو اليأس؟
وما إن بدأت الضيفة المسكينة حديثها عند أول كلمة حتى قاطعتها مقدّمة البرنامج مستدركة، ومقطّبة حاجبيها، لتقول لها: أنا لا أريد منك أن تعرّفي سن اليأس، أريد منك تعريف اليأس نفسه، وسنأتي لاحقاً على سن اليأس، لأن اليأس حالة مرضية أما سن اليأس فهي حالة نفسية، وكأنّي بتلك الإعلامية المحاورة هي الخبيرة المستضافة، وهي التي تعلم خفايا الموضوع الذي تطرحه، وليس الضيف، وذلك إما ربما بحكم اختصاصها الجامعي، أو إنها – لا قدر الله- إحدى اليائسات من عملها، بعد أن اجتازتها تلك السن بسنوات. لكن الضيفة الأكاديمية لم تأبه كثيراً بمقاطعتها، بل تابعت سردها وشرحها، حتى من دون أن تبلع ريقها، إلى أن وصلت إلى حقيقة مفادها أن المرأة تمرّ بسن اليأس عندما تبدأ بالشعور بعدم القدرة على الإنجاب.

أثار ذلك الاستنتاج استغرابنا نحن الأصدقاء الثلاثة المتابعين للحوار، وصرنا نتساءل فيما بيننا، أو هل النساء غير المتزوجات، أو غير المنجبات، لا يعصف بهنّ سن اليأس؟
آثرت المحاورة العزيزة مقاطعة ضيفتها مرة أخرى، وبطريقة أظهرت معاشر النساء كأنهنّ عدوّات، بعضهن لبعض، فمالت عنها وجهها، ثم نقلت سؤالها بطريقة الحانق إلى ضيفها الثاني، الذي أبدى استعداده التام للإجابة عن السؤال المطروح تحت عامل الخوف والرهبة من تلك العصبيّة الظاهرة لمقدمة البرنامج.
طلب ذلك الضيف الأكاديمي أن يعقَب أولاً على كلام الضيفة الأولى، قبل أن يجيب عن سؤالها، لكن محاورتنا العزيزة قمعته على الفور، ومنعته من أي تعليق، وكأنها تقصد معاقبة ضيفتها بضيفها.
وهكذا، طاش الحديث، وعلت الأصوات أثناء الحوار، فتذكرت معها تلك الساعات الطوال التي كنا نقضيها في متابعة برنامج صاخب، الذي كانت تعرضه إحدى القنوات الفضائية، والذي كان وبالرغم من كل غوغائيته، يعرّف المشاهد بطبائع الناس العدوانية، وبخاصة من كانوا يسمون أنفسهم صانعي قرار.

لقد كانت سهرتنا مأساوية بكل المقاييس، إلا أنني اكتشفت بعدها اكتشافاً مهماً، وهو أن سن اليأس ليست كناية عن مرحلة عمرية تمرّ في حياة النساء الكهلات، بل هو حالة نفسية سيكولوجية عامة، يمكنها أيضاً أن تجتاح معشر الرجال، اجتياحاً هولاكياً، لتزلزل مزاجهم، ولتدكّ توستستيروناتهم، فتجعلهم من الميؤوس منهم.
لقد أصابنا “نحن الفرسان الثلاثة” يأس ما بعده يأس، يأس من ذلك الحوار السفسطائي الصاخب الذي لم تستطع محاورتنا العزيزة أن تضبط مساره، لا بل لعله من المؤكد أن ذكور شعبنا سيفقدون كل ما امتلكوا من فحولة لمجرد أن يتابعوا برنامجاً حوارياَ مثل هذا الذي تابعناه.
اضطررت مع هذه البداية المتعثرة لسهرتنا الموعودة، وبدعم من صديقيَّ العزيزين، متابعة هوايتي في عملية “التوليف”، علّ ساعة ذلك البرنامج البائس تنقضي، فينقضي معها يأسنا، لكن من دون جدوى، فلا البرنامج انتهى، ولا التلفاز “سامحه الله” منحنا فرصة مشاهدة قناة أخرى.
وهكذا، عادت الأسَرّة تنادينا للغوص في عالم الأحلام.

 

*أديب وكاتب – وزير التعليم العالي السابق- سورية

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى