سلبيات التنافس .. و متى يتحول لحالة مرضية؟

إن التنافس ظاهرة من الظواهر الإجتماعية، ولا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات منها .. لكن البعض يؤكد أن سلبيات التنافس أكثر من إيجابياته.. و يرى خبراء .. غالباً ما تولّد المنافسة جوّاً من التوتر، وتؤثر سلباً على أدائنا في العمل والحياة.
التنافس بين السلبية والإيجابية
على الرغم من اتفاق الجميع على وجود هذه الظاهرة وإقرارهم، إلا أن البعض يراها صفة سلبيّة على الأعم (إلا في حالات سنذكرها لاحقاً) ولا يعود “التنافس” على المجتمعات (أفراداً وجماعات) إلا بالشحناء وضياع الطاقات وهدرها، ويراها الآخرون هي السبب الأول والدافع الحقيقي للتقدم والإنجاز في المجتمعات، فالفريق الأول يرونها نوعاً من الصراع والأنانية وتفرّق المجتمعات وتشتت أفراده لتحقيق غايات فردية وأنه نوع من تحقيق الذات “المزيف”، ويرى الفريق الآخر أن التنافس هو الدافع الأول بين الناس لإخراج أحسن ما لديهم من إبداعات ومواهب، ما كانت لتخرج لولا هذا التنافس بينهم.
التعاون نقيض التنافس
إذا نظرنا إلى الحالة النفسية للإنسان المتنافس، غالباً ما سنجد أن “سمة القلق” صفة ملازمة له، فإذا كانت ليست من سماته الأساسية؛ فستكون مصاحبة له -على أقل تقدير- في البيئة التنافسية أو العملية التنافسية ذاتها
وحين سئِل مَنْ رَأَوْا في التنافس “سلبية كاملة” عن البديل، أجابوا: “التعاون”، فالتعاون عندهم نقيض التنافس، وعرّفوا التعاون بأنه عملية تكاملية تأخذ بعين الاعتبار الاختلافات بين الأفراد والتفاوت في القدرات والإمكانات وذلك لتحقيق الأهداف الجماعية؛ كل حسب قدرته وموهبته بدون أي مقارنات وتقييمات مجحفة.
أسباب ظهور التنافس
غاب عن المجتمعات والمؤسسات مفهوم “التعاون” وغيره من المصطلحات المشابهة مثل: “العمل الجماعي، روح الفريق” لتحقيق الأهداف المنشودة بصورة جماعية.
وأصبحت أهدافنا تقتصر على ذواتنا، وذلك ولأسباب عديدة أبرزها الانفتاح والعولمة وما قدمته من إعلام وبرامج وأفلام وألعاب فيديو من شأنها تعظيم “الروح الفردية” والاعتماد المبالغ فيه على الذات، ومحاولة إقناعنا بقدرة الفرد “الخارقة” على تحقيق كل ما يريده بدون طلب مساعدة أو العمل ضمن فريق.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو حين ألفنا أن التنافس ينتج عنه “رابح وخاسر”، وأن شخص ما هو الفائز وباقي من تبقى يوصمون بالخسارة.
هل هناك إيجابيات للتنافس؟
التنافس له إيجابيات عديدة، وخصوصاً إذا وضعت له آليات ذكيّة وعادلة تُحْسن استخدامه، فإن كانت بيئة عمل: فمن الممكن جداَ أن تجعل من المنافسة عامل مهم لتحفيز الموظفين وحثّهم على بذل المزيد من الجهد والإنتاج، للوصول بهم إلى أعلى مستويات الإنجاز والأداء، ويعمل التنافس على خلق الدافع لديهم للعمل، ويُشْعل الحماس فيهم لتقديم الأفكار الإبداعية والحلول المبتكرة..
لكن في لحظة ما من الممكن أن يعطي الجو التنافسي نتائج عكسية، وذلك بسبب القلق والخوف من عدم تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة من الموظف، مما سيشعره بالتوتر وربما اتخذ طرقاً غير مشروعة لتحقيق ما طلب منه لتجنّب التوبيخ والتقييم المنخفض أو حتى التسريح
سلبيات أخرى للتنافس
إن كان للتنافس إيجابيات مثل خلق الدافع والميل لبذل المزيد من الجهد إلا “أن إثمه أكبر من نفْعه”
و سلبياته في “الجماعة الواحدة أو الفريق” أكثر من أن تحصى ومنها: تداخل الأهداف بين الفرد والآخرين والعكس صحيح، ويصبح التعاون أشبه بالمهمة المستحيلة، وسينتج عن ذلك قلة التواصل وضعف التنسيق بين الأفراد، وستكثر المقارنات السلبية المستمرة، وربما وصل الأمر إلى الكراهية وظهور بعض المشاعر العدائية بين أعضاء الفريق الواحد، وربما يؤدي ذلك إلى محاولات تعويق تحقيق الأهداف المنشودة من قبل الأعضاء أنفسهم، ومن السلبيات أيضا حين يكرّم شخص أو عدة أشخاص ومكافأتهم.. ربما يفهم على أنه تنكّر لباقي الجهود والطاقات، وهذا ينتج حالة سلبية وسيئة في المجتمع أو الفريق أو المجموعة.
سلبيات التنافس “على المستوى الشخصي” في بيئة العمل
يرى خبراء أننا لا ندرك في كثير من الحالات ما إذا كان لنا منافسون في العمل أم لا. وغالباً ما تولّد المنافسة غير الشريفة جوّاً من التوتر، وتؤثر سلباً على أدائنا في العمل.
و يظهر التنافس عموما بسبب الحاجة إلى توزيع موارد محدودة في مكان العمل. ويعني ذلك، بالنسبة للعاملين، التسابق مع نظرائهم للحصول على ترقية أو زيادة في الراتب. وبدون وجود ضوابط واضحة تبين المسار نحو التقدم الوظيفي، يمكن لذلك التسابق أن يتحول إلى منافسة أكثر خطورة.
ولا ندرك، على الأغلب، هؤلاء الذين يشعرون بالتهديد بسبب أداءنا، كما تقول هيلاري أنغر إلفينباين، أستاذة السلوك التنظيمي بجامعة واشنطن بمدينة سانت لويس الأمريكية.
وكانت إلفينباين واحدة من بين ثلاثة مسؤولين عن دراسة أجريت تتعلق بالتنافس في مكان العمل. وفحصت الدراسة البيانات المتوفرة من عاملي المبيعات لدى وكلاء لبيع السيارات، وطلبة جامعيين يعملون في مشروعات جماعية.
واستطاع كثيرون ممن شملتهم الدراسة أن يتوقعوا الأشخاص الذين يحبونهم في العمل، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد من ينافسونهم. ويعود السبب في ذلك إلى أن المنافسة غالباً ما تكون “غير متبادلة”، حسب إلفينباين.
وبعبارة أخرى، من السهل أن تعرف ما إذا كان لديك أصدقاء في العمل أم لا: فإذا كنت ودوداً مع شخص ما وهو يحمل تجاهك نفس المشاعر، فيمكنك حينئذ أن تتأكد تماماً أنك قد أقمت علاقة إيجابية مع هذا الشخص. غير أنه لغرض الحفاظ على الانسجام الاجتماعي، يميل الناس إلى إخفاء منافستهم للآخرين، حسبما يقول الباحثون.
أكثر من منافسة
من السهل أن يبدأ التناحر بين العاملين بسبب المواعيد الصارمة والمحددة لتسليم المهام، وكثرة الضغوط، وقلة المحادثات وجها لوجه، وهو ما يجعل العاملين يقفزون إلى استنتاج الأمور، فيسيئون فهم نوايا نظرائهم.
ويمكن لهذه الأمور أن تتسبب في وقوع منافسة كبيرة غير محمودة، وتحوّلها إلى عداء خطير بعد فترة، كما يقول توم دايامانتي، أخصائي علم النفس لدى شركة “كوربوريت كاونسيلينغ أسّوشيتس” للاستشارات، ومقرها نيويورك.
ويقول دايامانتي إنه لكي تعرف الشخص الذي يكن لك عداء يتعين عليك أن تنظر فيما إذا كان هناك شخص يعيق أفكارك واقتراحاتك الرائعة بشكل مفاجئ، أو ما إذا كان هناك شخص عاملك في أكثر من موقف بطريقة غير عادلة، أو ما إذا كان هناك أشخاص لا ينصتون لوجهات نظرك. وغالباً ستساعدك هذه الإشارات على وضع خطة مسبقة للقضاء على أي عداوة محتملة قبل تأزم الموقف.
إن تقليل مشاعر المنافسة مبكرا يمكن أن يساعدك على أن تكون أكثر سعادة وأقل توترا على المدى البعيد. ولكن عندما يبدأ التنافس يحمل طابعا شخصيا بصورة أكبر، فقد يؤدي ذلك إلى تعقيد الأمور عليك في الحياة والعمل على حد سواء.
ويقول دايامانتي: “التبعات النفسية تشمل التوتر والقلق وعدم الثقة في النفس”.
اضطراب المنافسة المرضية
ببدو اضطراب المنافسة على شكل سلوك سئ و مستمر ، يتسم به الشخص المصاب ، مما يؤدي إلى تفاقم الأعباء المادية ، و خلل زائد في النشاطات الإجتماعية و الوظيفية التي يقوم بها .
أعراض مريض اضطراب المنافسة المادية
– يظهر على الشخص المريض باضطراب المنافسة ، الانشغال و الانغراس الدائم ، في أساليب المنافسة .
– يعمل بشكل مستمر على مزايدة المبلغ ، الذي ينافس عليه في التجارة مثلا ، و ذلك من أجل الشعور بمزيد من المتعة و الإثارة .
– المنافسة بالنسبة للشخص المصاب بهذا الاضطراب ، من جهة علم النفس هي وسيلة للهروب ، من بعض المشاكل التي يعانيها .
– لا يحاول الخروج من الضوائق المادية التي تعترضه بنفسه ، بل يعمل على الاعتماد على الأشخاص المحيطين به ، في هذا الأمر .
– يعاني هذا الشخص من فشل كافة محاولاته ، في الكف عن المنافسة .
– في الكثير من الأحيان يكون الهدف من منافساته ، هو تعويض الخسارة في المرات السابقة .
– هذا الشخص يتسم غالبا بالكذب ، و بشكل خاص على أسرته ، و ذلك بهدف إخفاء تورطه في هذا الأمر .
– في الكثير من الأحيان يحاول توفير الأموال ، التي يتنافس بها في تجارته بطرق ملتوية أو غير شرعية .
– يصل حجم الخطر الذي يحيط به ، إلى حد خسارته لأفراد من أسرته ، أو خسارته لحياته العملية .
– يبدو غالبا مزاج هذا الشخص بمزاج سئ و عكر ، لشعوره الدائم بانعدام الحيلة ، و الشعور بالذنب .
– بعد تعريض الشخص المريض للعديد من الاختبارات النفسية ، تبين أنه يعاني من نشاط زائد ، لبعض الهرمونات مما يتسبب في زيادة شعوره بالنشوة ، أثناء المنافسة ، فضلا عن وجود بعض الأعراض الاندفاعية المفرطة التي تنتابه .
الاضطرابات التي تصاحب هذا المرض
غالبا يرتبط هذا النوع من الأمراض ب اضطرابات نفسية أخرى ، و من أهم هذه الاضطرابات الإصابة بالاكتئاب الشديد أو باضطراب المزاج ثنائي القطب ، و بإدمان بعض أنواع الكحول و المخدرات ، و هناك بعض اضطرابات الشخصية ، التي ترتبط بهذا الأمر و منها اضطراب الشخصية الحدية ، و النرجسية و المعادية للمجتمع ، و بعض الاضطرابات التي تتسم بعدم القدرة ، على السيطرة على الدوافع .
عوامل الإصابة باضطراب المنافسة المرضي
هناك عدد من العوامل التي تتسبب في الإصابة ، بهذا النوع من الاضطرابات ، و هذه العوامل جزء منها يتسبب فيه ، بعض العوامل الاجتماعية ، و البعض الأخر تسببه عوامل أخرى بيولوجية .
العوامل النفسية الاجتماعية
– من أهم العوامل التي تتسبب في الإصابة بهذا النوع من الاضطراب ، هو فقدان شخص عزيز ، أو الانفصال عنه ، و أمثال ذلك وفاة أحد الآباء ، أو التعرض للطلاق أو الانفصال عن الزوج أو الأبناء .
– من أهم العوامل أيضا أن يولد المريض في بيئة تدمن المنافسة ، و يتعرض لرؤية هذا الأمر بشكل مستمر ، في فترتي الطفولة و المراهقة ، فيفقد ترسيخ معاني الحلال و الحرام ، و أهمية حفظ المال و المادة و العديد من القيم التي تختل في تنشئته .
– في بعض الحالات يكون الأمر متعلق باللاوعي ، حيث أن مرضى هذا الاضطراب يحاولون تفريج شعورهم بالذنب الدفين ، داخل اللاوعي من خلال هذا الأمر .
– في بعض الحالات يكون المريض يعاني في الأساس ، من عدد من الاضطرابات الشخصية ، و التي تفقدهم السيطرة على مجريات الأحداث و ترتيب أشكال مستقبلهم .
العوامل البيولوجية للإصابة بالمرض
– أثبتت العديد من الدراسات أن العديد من المصابين بهذا النوع من الاضطراب ، يكون لديهم بعض المشاكل المتعلقة بالسائل الذي يحيط بالمخ أو بمركبات بلازما الدم ، و من أهم الأشياء التي تعاني من الخلل ، مستقبلات الثيروتونين و النورادرينالين ، هذه المواد التي تعاني من الخلل ، تتسبب في خلل في وظائف المخ ، و ينتج عنها بعض الأعراض النفسية.
تابعونا على صفحة الفيسبوك:



