إضاءات

هزمتنا ربطة خبز .. علي دياب شاهين ..

 

اتصلت بأبي وقلت له إنني قادم بعد أيام إلى لبنان، هل تريد أن أجلب لكم معي أي شيء؟!، قال: “إذا كان عندكم خبز هات لنا معك كم ربطة”، قالها بلهجةٍ مقسومة بين المزح والجدّ، الانكسار والهزيمة، بلغة التهكّم والقهر، ليس لقيمةِ رغيف الخبز إنما لرمزيته.

أبي، الرفيق وعضو المؤتمرات والشعارات والبيانات .. الذي كان قبل سنوات يخطب في الناس الزاحفة الى فلسطين، وينادي في كل لبنان: أمة عربية واحدة من البحر إلى النهر .. يطلب الخبز!.

أعيش أنا في إفريقيا بلاد اللاشيء، لا مواسم سياحية، ولا موارد طبيعية، لا نفط في البحر ولا غاز ولا ثروات زعماء مكدسة في مصارف الغرب، ولا مغتربين في المرابع والمراقص والشاليهات، لا شي.

في افريقيا مجموعات من مزارعي الذرة، والفستق، وبعض المواشي، وميناء واحد على البحر .. والموارد لا شيء، عمال بسطاء يعيشون بما قيمته دولارين في اليوم، وسائقي أجرة ينامون في سياراتهم وعلى دراجاتهم، أو على التراب، لا ينقطع التيار الكهربائي إلا نادراً..

لا توجد أزمة محروقات، ولا أزمة قمح وطحين، ولا أزمة أدوية، ولا أزمة مستحضرات وحليب أطفال، ولا أزمة مواد غذائية .. ولا أزمة رواتب ودولارات، ولا أزمة تعطيل الناس عبر منصات لحجز تجديد جوازات السفر، ولا توجد صراعات داخلية على الانتماء، ولا توجد صورة واحده لرئيس أو نائب أو وزير أو قائد أو زعيم حزب معلقة على الزوايا والأعمدة والأسطح والمنعطفات و”البانويات”.

هزمتنا ربطة  خبز  .. ما أصعبها؛ حين أنت في المطار الإفريقي مغادراً من بلاد الفقر واللاشيء، وثمة شرطي يفتش في حقائبك الممتلئة بكل أصناف الأدوية ويغطي وجه الحقيبة ربطة من الخبز، فينظر إليك نظرة إحسان وشفقة، هي أصعب من طلقات الرصاص.

ما أصعب الهزيمة دون قتال .. ما أصعب أن تكون “هزيمتك” في ربطة خبز!

نعم .. هزمتنا ربطة خبز  ..

هزمتنا بضعة أرغفة على وجه حقيبة السفر يا أبي.

.

*كاتب من لبنان 

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى