إضاءاتالعناوين الرئيسية

حـرد لولو .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

فارس أو أبو المراجل كما لقَّبهُ  أحدُ أصدقائِه في لقاءٍ مع مجموعةٍ من رجالِ الأعمال بُغيةَ التقرُّبِ منه وسعياً لمرضاتِه وأملاً منه بأن يحظى يوماً ببعضٍ من “بزنسه”.

وقد أعجبهُ اللقبُ كثيراً، وقرّرَ أن يعتمدَه بشكلٍ دائم.

وفي يومٍ من الأيام دُعِي صديقُنا أبو المراجل وزوجتُه إلى حفلِ زفاف ابن شريكِه في “البزنس”، في أحد أفخمِ فنادقِ المدينة، فارتدى لذلك بزّةً من تصميمِ إحدى دورِ الأزياء العالميةِ جاءته كهديةٍ من أحد مريديهِ،ولم يسبِق له أن ارتداها من قبلُ ،

علماً أنّ أبا المراجل لم يكن يقبل أيّ هديةٍ غيرِ مصنّفةٍ ضمن أشهر العلاماتِ التجارية المعروفةِ.

نزل أبو المراجل من منزله بمعيّةِ زوجتِه لولو قرابةَ التاسعة والنصف مساءً فركبا إحدى سياراتِه الفارهةِ ، وانطلق يقودُها بكاملِ خُيلائه يسابقُ السيّاراتِ الأخرى على الطّريقِ إلى وجهتِه المقصودةِ.

وبعد انقضاءِ ثلاث ساعات برفقة الأصدقاءِ، ودّعَ أبو المراجل وزوجتُه لولو الساهرين متمنّين للعروسَين حياةً هانئة،

توجّها عائدَين إلى المنزل بعدما نال منهما التعبُ والنعاسُ لكثرةِ ما رقصا وأكلا وشربا.

وفي الطريقِ ،ولدى مرورهما بمحاذاة إحدى الحدائق العامة الشهيرة في المدينة ، تنهّدَت لولو وقالت :

آااه يا زوجي الغالي ، سقى اللهُ أيام الخطبة ، كم كانت جميلةً ، اشتقتُ إلى تلك اللحظاتِ التي  كنا نتمشّى فيها سويةً في حديقة  الجاحظ ،

أتذكرُ يا فارس؟  كيف كنّا نتسابق، ثم تلحق بي، تمسك بيدي ، ااااه، كانت أناملُك فيّاضةً بالدّفءِ والرّقةِ..

رمَقَها أبو المراجل بطرف عينِه غيرَ مكترثٍ بما تقول.

قالت له بنبرةِ استعطافٍ:

ما رأيُك حبيبي أن نعودَ بالزّمن إلى الوراء ثلاثين سنةً نتذكّرُ فيها أيامَ كنّا مخطوبَين؟؟

تمتمَ أبو المراجل بكلامٍ غير مفهومٍ ثم لوى حنكه مستهزئاً باقتراحها.

أكملت لولو حديثها قائلة:

طبعاً لن تردّ ، فلقد أصبحتَ ملكَ الجفاءِ والإعراض بعد أن امتلأت جيوبُك بوفير المال.

أين ذهبت تلك الرقةُ التي كانت تملأُ قلبَك؟

أين منكَ ذلك الحبُّ الغامر والعطفُ والحنان؟

لقد شغلَك المالُ عني بعد أن صبرتُ على فقرِك وكابدتُ العوَزَ وقلةَ الحيلةِ سنين طوالاً   إلى أن انقلبتِ الأحوالُ معكَ ، وأصبحتَ زعيمَ البزنسِ والبورصة في وقت بدأ يتلاشى فيه مثلُ هؤلاء الزعماء.

سادَ الصمتُ برهةً ،

وإذ بلولو تقفزُ من مقعدِها قابضةً على ساعدِ زوجها وهو يقودُ السيارةَ

وقالت :أرجوك حبيبي!!

دعنا ننزل من السيّارةِ لنتمشّى!! الله يخلِّيك.. احسِبها كما شئت!! رياضة، حرقُ حريرات،أرجوك توقّف هنا !! دعنا نسِر على الرّصيف إلى آخرِ الشارع على الأقل !

صرخ أبو المراجل في وجه زوجتِه غاضباً من فعلتِها اللامباليةِ مُزيحاً ساعدَه عن يدِها قائلاً لها وهو يكزُّ على أسنانه: ويحك أيتها المجنونةُ، كدتِ تقتليننا بفعلتِك هذه !

كيف تمسكين بساعدي وأنا أقود؟ هل فقدتِ عقلَك؟؟

قالت لولو بحماسةٍ بالغة:

أجل أنا مجنونة ، مجنونة بِحبِّك .. مغرمةٌ فيك. والآن الآن ستتوقفُ عن القيادة، وستتمشى معي

هيّا ، أرجوك!!

لم يملك أبو المراجل أمام إلحاحِ زوجته إلا أن يركنَ السيارةَ إلى يمينِ الشارع صارخاً في وجهها، مؤنّباً إياها على جنونِها في هذه الساعةِ من الفجر، ونزل من سيارته مرغَماً تلبيةً لطلبها وهو يتأفَّفُ من إلحاحها.

قال لها: ها أنا قد توقفتُ ، وماذا بعد؟؟

قبضت على ذراعِه الأيسر بكلتا يديها وأرخَت برأسها على كتفه وأغمضت عينيها و قالت له بصوتٍ رقيق :

سِر يا زوجي الغالي من دون أن تقولَ شيئاً، سر واترك رأسي مسترخِياً على كتفك. أحبّكَ يا ملاكي ،

أحبّكَ .. أحبكَ كثيراً كثيراً كثيراً.

قال لها بتهكُّم:

بماذا  تفضلتِ يا سيدتي؟

قالت له:  بالله عليك أرجوكَ أن تجاملَني. غازلني يا حبيبي، قل لي ولو كَذباً كلاماً ناعماً.

قاطعها : يا سلام !

تقمَّصتِ أيضاً نزار قباني لكثرة ما تقرئين أشعاره !

قالت : لا تقطع رومانسيةَ اللحظة ، احكِ.. احكِ لي أشياءَ حلوة .

همهمَ أبو المراجل قليلاً وقال لها ساخراً :

“نمورة بالقشطة”.

قالت له برجاء:

“بلا غلاظة !! بالله قل كلماتِ غزل.. تغزّل بي أيها الصنمُ البارد!

قال لها: آه يا امرأة ، تتحدّثين عن حبٍّ؟؟ غزل؟

لقد فرغَ قاموسي من هذه الهرطقاتِ العاطفية، لم يعد فيه سوى كلمات المالِ والاقتصادِ والبزنس، بإمكاني أن أهديكِ ألماساً وذهباً، أو مالاً إن شئتِ.

قالت له:

لا أريد هذه الأشياء ،لم يعد يعنيني مال أو حليٌّ.. ما يعنيني هو أن تحبَّني كما كنت تفعلُ قبل زواجِنا.

قال لها:ويحكِ ما هذا الهراءُ ، غرام وهيام !

لقد تقدّمنا في السنِّ ،وأضحى أولادُنا آباء وأمّهات و..

قاطعتهُ بسخريةٍ : تحدّث بصيغةِ المفردِ عن نفسكَ ،

لا تقل تقدّمنا في السنّ، فأنا مازلتُ شابةً فاتنةً ينبض بالحبِّ قلبي، ثمَّ ماذا في الأمر؟ هل الحبُّ عيبٌ أم حرام؟؟

قال لها: نعم عيب وحرام ، ما يشغلُ بالي وعقلي الآن هو صفقاتي، وتأمينُ التمويل اللازم الذي صارَ صعبَ المنال في هذه الأيام ، وأنتِ مازلتِ تتحدّثين عن مشاعرِ الحبِّ والهيام.

قالت له: حبيبي ،انسَ الآن كلّ شيء، ودعنا نمشِ دون أن نفكّرَ بأيّ شيء،  ولنستغلَّ هذه اللحظاتِ النادرةَ في استرجاعِ الذكريات ، فالموتُ محيطٌ بنا، ولن نأخذَ معنا قرشاً واحداً.

قال لها: الملافظ سعدٌ يا امرأة. كفّي عن ذِكرِ الموت ،الآن تتفوّهين بالحكمة؟؟

هل نسِيتِ فقرَنا المدقعَ وعذاباتِ ماضينا في تأمينِ لقمةِ العيش؟؟ هل تذكرينَ كيف كنّا نموتُ ألفَ مِيتةٍ ونحن نسعى لتأمينِ ربطةِ خبزٍ أو علبةِ سمنٍ أو جرّةِ غاز؟؟

قالت له:

دائماً تحوّلُ الموضوعَ إلى مأساة. كل ما أردتُهُ أن تقوَلَ لي كلمةً واحدة فقط :  أحبُّكِ، وكفى!

وبينما هما منشغلان في الجدالِ، مرّت سيارةٌ مسرعةٌ فداست على بركةٍ من الماء الآسن فبلّلتِ الزّوجين من رأسِهما حتّى أخمصِ قدميهما، فاستشاط أبو المراجل غضباً ممّا جرى، وبدأ يلعنُ الساعةَ التي انصاعَ فيها لرغبةِ زوجتَه في الترجُّلِ من السيّارةِ و المشيِ في الشارع، وما أسفر عنه ذلك من  ماءٍ موحلٍ غمر ثيابَه الأنيقة، وتلفّتَ إلى زوجته ليكيلَ لها نصيبَها من ألفاظِ الشتيمةِ النابية ، فما كانَ منها إلا أن تركته وحيداً، ومضت مسرعةً إلى السيّارةِ  تبكي، فمشى وراءَها باتّجاهِ السيارة وعادا  معاً إلى البيتِ، دون أن تنطقَ لولو بكلمةٍ واحدةٍ معه أو حتّى تنظرَ إليهِ.

دخلت لولو غرفتَها على الفور، بينما دخلَ هو الحمّامَ ليغتسلَ من آثارِ القذارة ، ويستلقيَ فيما بعد  على الأريكةِ في غرفة الجلوس  يقلِّبُ في قنواتِ التلفاز ، إلى أن غالبَه النعاسُ فنام.

وعند الصّباح استفاق أبو المراجل، وقد انتابه بعضٌ من وخزِ الضّميرِ تجاه زوجتِه لولو  فناداها يستسمحُها فلم تُجِب.. دخل غرفتَها فوجدها مقلوبةً رأساً على عقبٍ،

فمن الواضحِ أنّها قد لملمت أغراضَها وحلّيَها ومجوهراتِها ودفتر شيكاتِها وذهبت إلى مكانٍ غيرِ معلوم.

أخذ يفكرُ ، أين هي يا ترى؟

اتّصل ملهوفاً بها على هاتفها المحمولِ فوجده مغلقاً.

تساءل في نفسه:

أين ذهبت تلك المجنونةُ في هذا الصباح الباكر؟؟ هل قصدَت يا ترى بيتَ أختها الوحيدة؟

لا لا أختها تعيش في ضيعة عند أطرافِ المدينة ولا يمكنُها أن تذهبَ إلى هناك لأن بريستيجَها يمنعُها من ذلك، أما صديقاتُها اللواتي أعرفُهن فجميعهنّ متزوجاتٌ، ومن المتعذّرِ أن تلجأَ إلى إحداهنَّ.

هل أقامت في فندق يا ترى؟ ما العملُ يا أبو المراجل؟

بدأ فارس يلوم نفسَه.. ثمّ ما لبثَ أن تمدّدَ القلقُ في داخلِه محوِّلاً إياهُ من إنسان صلبٍ كالصّخرِ إلى هشّ كالشّمعِ فماذا يمكنه أن يفعل؟؟ وبمن يمكنه أن يتّصلَ ؟؟

ركب سيارتَه وصارَ يجوبُ الشوارعَ باحثاً عنها ،والهواجسُ السوداءُ تغالبه إلى أن استقرّ أخيراً على العودةِ إلى البيتِ بعد أن لاح المساءُ ليرى ما هو فاعلٌ بشأنِ هذه المعضلة.

وفي صباح اليومِ التالي تلقّى اتّصالاً من سيدة عرّفَت عن نفسِها بأنها صديقةُ زوجته.

قالت له:

صباح الخير ، أنا عائدة صديقة لولو

أحسَّ أبو المراجل في تلك اللحظة أنّ زوجتَه تقفُ إلى جانب صديقتها تتنصّتُ على المكالمةِ،

فقال لها :صباح الخير آنسة عائدة

قالت: السيدة عائدة من فضلك.

قال لها : عفواً

قالت: لا عليك،

أردتُك فقط أن تعرفَ بأن زوجتَك قد أتتني البارحة صباحاً تبكي، وأبلغتني أن أقولَ لك إنها لن تعودَ إلى المنزل بعد اليوم بعد أن عنّفتَها تعنيفاً شنيعاً، ونعتَّها بأبشعِ النعوتِ.

قال لها: ولكن كيف لا أعرفُكِ سيدة عائدة؟

أنا أعرفُ جميع صديقات زوجتي.

قالت له: نعم، أنتَ لا تعرفني،

فأنا ولولو صديقتان منذ نحو شهرين، وقد جاء تعارفُنا أثناء مشاركتِنا في سوقٍ خيري.

قال لها: وكيف تأتيكِ زوجتي وأنت سيدةٌ متزوجة؟ لا يصحُّ أن تفعلَ ذلك.

قولي لي: ماذا فعل زوجُكِ عندما جاءتك؟

قالت له ببعض الغنجِ :

لا لا تخَف .. أنا أعيشُ بمفردي بعد أن طلّقَني زوجي من سنة.

قال لها محاولاً استشعارَ ردّةِ فعلِ زوجتِه لولو:

أعتذرُ عن السؤال ،لكن ولماذا كان الطلاقُ إن سمحتِ لي أن أسأل.

قالت له بحزن: أنا لا أنجبُ. مع أنّ جميعَ مَن حولي يشهدُ كم أنا زوجة مثاليةٌ وجميلة، وفوق كل ذلك ثرية، لكنّ طليقي يحبُّ الأولاد، وأنا لا أرغب بأن يكونَ لي ضرةٌ، فوقعَ الطلاقُ.

قال لها بكل رقةٍ ولطف، لكن بصوت مرتفع قليلاً يريد إسماع زوجته:

وهل لي أن أحظى بصورتِك، سيدة عائدة  لأتعرفَ على صديقة زوجتي المثاليةِ والجميلة والثرية؟

خطفت لولو الهاتفَ من يد عائدة قائلة:

رح تجي تاخدني؟؟ وللا أجي بتكسي؟؟

 

*أديب وكاتب- وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى