تقاسيم على شرف الغريبة .. بو زينون الحكيم

“1”
على غيرِ كلّ المواعيدِ
يدنو مساءُ الغريبةِ
يفتحُ نافذة ًفي ضبابِ
الشّرودِ
ويوقدُ جمرَ الحنينِ
يَرينُ ويمسحُ عن رعشِها المرّ
دمعَ الشتاءْ
.. بطيئاً
مساءٌ يجيءُ شفيفَ الضياءِ
ويعزف لحنَ الرّجوع ِ الأخيرِ
يودّعُ منفى اللّجوءِ الكثيفِ
ويهجرُ بيتَ العناكبِ
إذ ْيحضرُ الغرباءُ فرادى
كأبناء آوى تساقط عنها
رميمُ الفِراءْ
فجمّعها موقدُ الزمهريرِ
وأحداقـُها تقدحُ الحذرَالمشرئبَّ
وترسمُ خطوَ المتاهِ
على وجعٍ لفـّها كالحريقِ
لعلّ الغريبة َيقتلها اليأسُ
إن هاجَها التـّوقُ
وارتعشَ الجمرُ في الرّوحِ
والبردُ أمسى مدارَ الطـّوافَ
ودمعَ الرجاءْ
ووجهُ الغريبةِ مثلُ الفراشةِ
في وجْنة ِالوردِ
منهمرُ الوجدِ
منسرحٌ كالنداءْ
على طفلةٍ نسيتْ جوعَها
في السّريرِ وطارتْ …
تطوفُ بأرجوحةِ الحلمِ
مرْجَ الفضاءْ
لترعى النجومَ
وتقطفَ غـُمْرَ النـّيازكِ
من كوكبٍ زارها ذات ليلٍ
مطيرٍ
ومدَّ احتفاءَ اللـّقاءْ
حضورٌ له مايباهي به وجهُها
والشّحوبُ الأنيقُ
الغريقُ بشهدِ الأميراتِ والكبرياءْ:
غمّازتا كرزٍ مسرفِ الدلِّ
.. ثغرٌ أقامَ به الجلّنارُ
على شرفِ الحبّ
جمراً وخمراً
وعطرَ المساءاتِ حتى الرّواءْ
.. صبحٌ خميلٌ
على كوكبَي صدرِها يستفيقُ
يلمُّ النـّدى
في خوابي العبيرِ
يعتـّقُ طلَّ المدى
في سريرِ الهواءْ
حضورٌ يحط ّعلى
ديمةٍ سحبتْ خلفها ماتبقّـّى
من العطرِ
في وردةٍ أرهقتها الرياحُ
وليلُ الذ ّئابِ
وقرُّ الشتاءْ
فحطـّتْ قليلاً على
حجرِ الصّمتِ
تقرعُ والآهَ كأساً أخيراً
على نيّة النـّومِ دهراً قصيراً
بلا وجعٍ يقمع الروحَ
أوغفوة ًخاتلتْ أحجياتِ القضاءْ
بلا أمنياتٍ تمرُّ كوهمٍ
.. تموتُ من الدفء
تحت الرّداءْ
*******
“2”
تجيء/
ويسبقـُها طيفـُها
في ارتعاشِ الصّدى
.. من حنايا المدىْ تستعيدُ الحساسينَ/
ها إنها انحدرتْ من قصرِها المتمدّدِ
في شارع ٍ موحلٍ بالسّكارى
وبالعابرينَ جزافاً كموتٍ
على قيدِ منتظِر ٍ في العراء ْ
يمطـّ معاني الحياةِ
لعلّ إذا عثـَرتْ مفرداتُ
البقاءِ به ِ
يستطيلُ قليلاً فتيلُ البقاءْ
وتبني العناكبُ
في وجهه المتيبّسِ
أعشاشَها
من خيوط الهواءْ
*******
“3”
إلى حلم الميّتين الحيارى
تجيءُ
كحلمٍ يجيءُ ويمضي
تجيءُ وتمضيْ
.. تجيءُ وتمضي
كطائرِحَوْمٍ نأى خلسة ً
عن مسارِ المواسمِ
ثمّ استدارَ إلى الشمسِ
في الشّفقِ/الأرجوانِ
وأدركه الضّنكُ والبحرُ
قبلَ المساءْ
تجيء ..
وقصرُ الغريبةِ ممتلئ بالأزقةِ
والبردِ والسطوِ والأشقياءْ
وتدنو، ولا ظلّ يتبعها
مثل كلبٍ أليف ٍ
ولا طائرٌ مولعٌ بالغناءْ
إذا جاعَ “يزعلُ” في أدبٍ
ويسبّ بغمزٍ ولمزٍ
ويشدو إلى آخر الصمتِ
والموت والإمّحاءْ
تجيء الأميرة ُ
من آخرِتركيبةٍ للّجوءِ
وآخرِما استنبط العقلُ
والموتُ وحْلاً وقتلاً
يردُّ بغاءَ الشياطينِ للأنبياءْ
وصمتُ الغريبةِ لغزٌ يهدّد أمْنَ
المخيّم ِ
والموتَ حرّاً
كنسرِ السماءْ
تجيءُ، وتقرأ تعويذة َ القدرِ
المستفِزّ:
إلامَ ستسكننا خيمة ٌ
لم تبدّلْ سوى لونها
والغبارَ الخفيفَ بطينٍ ثقيلٍ
وشرْعَ السيوفِ بشرعِ الشّواءْ!
تجيءُ الأميرةُ من دمعة ٍ
كسرتْ حزنَها في وجوهِ المرايا
وتغلق نافذة اللّيلِ خلف النّجومِ
تمدّ حصيرَ المساءْ
.. بطيئاً
وتخلعُ عنها نِقابَ النـّعاسِ
تلامحُ طيفَ البهاءْ
وتحصي قناديلها نجمة ً نجمة ً/
.. في خجلٍ مخمليٍّ
تـُعِدُّ العشاءَ/
.. تمدّ مقامَ الغناءْ
وتهمسُ لي:
ياغريبُ إذا ما التقينا
تموتُ المنافي
تعودُ العنادلُ من حزنِها
والنّوارسُ تفتح بوّابة البحرِ
للعائدينَ على موجةٍ
من ضياءْ
أجيءُ
وفي القلبِ حبٌّ وحربٌ
وفي جسدي وطنٌ من حريرٍ
ينامُ
وتوقٌ يفيضُ بقمحِ الحقول ِ
وبالأغنياتِ
وعطرِ النساءْ
بو زينون .. شاعر وكاتب سوري



