تفكيك الكاتب لمقاومة الجمهور … عبدالله ناصر العتيبي
عن الوقوع في فخ «الكتابة للجماهير”

تفكيك الكاتب لمقاومة الجمهور …
في الكتابة، كما في الشعر، يذهب بعض الكتّاب مباشرة إلى مغازلة التوقعات والحقائق في عقول جمهور الكتابة. وبدلاً من أن يزرعوا مفاهيم جديدة، أو يفككوا مسلمات سائدة، تجدهم يسيرون على نفس خط الفهم الذي يسير عليه قراؤهم من أجل حصد الإعجاب والتصفيق! يفعلون ذلك لا من أجل قدسية حرفة الكتابة وتحولاتها وانشغالاتها، وإنما من أجل «الأنا المتضخمة» في هوياتهم الفنية! يبدأ الكاتب منهم في رصد تفاصيل «المعنى العام» الذي يلوّن صورة «فهم الجمهور»، فيبدأ في الدوران حولها رافعاً رايات التأكيد، الأمر الذي يجعل منه متحدثاً باسم الجماهير ومبعوثاً لها في أقاليم الكتابة.
هذا النوع من الكتاب والشعراء يكون في العادة سيد المشهد الحاضر، والرقم الأول في سلسلة النخب الواقفة في مواجهة الجماهير، لكنهم، خضوعاً لعدالة التاريخ، لا يلبثون تحت ضوء الشهرة أطول من سنوات أعمارهم، فالنسيان والتجاهل كفيلان بهم وبإنتاجهم بمجرد غياب صوت التصفيق والصفير. يحقق هؤلاء الكثير من المكاسب والفوائد في حياتهم، فهم الملوك المتوّجون على عرش ذائقة الجمهور، وبالتالي هم أهل الأولوية دائماً في حضور المؤتمرات والملتقيات الجماهيرية. فالسياسيون يبحثون عنهم للوصول من خلالهم إلى عقول الجماهير.
والوجهاء والأثرياء يتقربون منهم لينعموا بشيء من الضوء الذي يلاحقهم أينما حلوا وارتحلوا. والعوام من الناس يعدونهم رموزاً تتحدث بأسمائهم وتناضل من أجل معتقداتهم وإيمانهم! والإشكالية الكبرى في هذه القضية الشائكة أن الجماهير ليسوا وحدهم الذين يحتفون بـ«كتّاب تكريس السائد»، ويتبنون نتاجهم وأطروحاتهم، وإنما ينضم لهم في ذلك النخب الاجتماعية التي تضطر لمسايرتهم والتقرب لهم من أجل تفعيل الجانب التجاري في علاقتها بهم.
يتحدث إلى توقعاتهم وأمانيهم لا ليكشف لهم أسرار المستقبل، ولكن ليعزز ما يؤمنون به وما يتطلعون إليه. ويتواصل مع مدركاتهم ومعارفهم، لا ليهددها ويخلخلها، وإنما ليؤكدها، ما يجعلهم يبقون طوال الوقت أسرى «للفهم العام» الدائري الذي ينطلق منهم ويعود إليهم.
الكاتب الجيد هو الذي يضيف، لا الذي يعيد ويكرر وينسخ المُعاد فوق المُعاد.
لكن السؤال يبقى: هل تمتلك الجماهير الأدوات اللازمة التي تساعدها على الانتباه لأطروحات الكاتب الجيد؟
والجواب في كلمة قصيرة واحدة: لا! لهذا على الكاتب الجيد أن يكون مشهوراً أولاً ثم يدخل مع الجماهير في صراعات الحياة. كيف يكون مشهوراً بغير الكتابة؟ يدخل الشهرة من أبواب أخرى!



