“الوتريات السالفة”.. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط …
الأساس في الكتابة الأوركسترالية (وليس الهارمونية) هو تغطية المجال السمعي للأذن البشرية بحيث تسمع كل الترددات الصوتية، ما أمكن. ولغير المختصين أقول أن هذه الترددات تنحصر في مجالات ثلاثة هي المنخفضة (الباص Bass) والوسطى (الميدرنج midrange) والعالية (التريبل Treble)؛ وعادة ما يلاحظ محبو الاستماع هذه التسميات على مفاتيح المعادل الصوتي (الإيكولايزر) على أجهزتهم السمعية. فكلماً كانت هذه الترددات المختلفة موجودة بوفرة وتنوُّع في العمل الموسيقي كلما كان الصوت أكثرَ غنىً وإشباعاً للأذن. وبالعكس، إن كان بعض هذه الترددات مفقوداً تشعر الأذن بنقص ما قد لا تدرك ماهيته.
لذلك، يحرص المؤلفون والموزعون على تضمين أعمالهم الآلات التي توفر هذا التنوع الصوتي، وليس صدفة أن تغطي أنواع الآلات هذه المجالات الصوتية، فعائلة “الوتريات” تضم آلتي باص (كونترباص وتشيللو) وألة ميدرنج (فيولا) وآلة تريبل (الكمان)، والبيانو وحده يغطي المجال السمعي بكامله، كذلك توفر النحاسيات بأنواعها المختلفة آلات تغطي المجال السمعي، ومثلها النفخيات وآلات النقر الوترية.
عالمياً، حظيت الوتريات بالمرتبة الأولى في الحضور في أعمال “الاستماع السهل” -تحدثت عنه في مقال سابق (1)- الذي ذاع منذ منتصف القرن الماضي، إن كان في الحفلات الحية أو في استديوهات التسجيل. وكان حضورها طاغياً في حفلات وتسجيلات نجوم الغناء العربي كأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وكثيرين. استمر هذا الحال حتى مطلع القرن الحالي، حيث بدأت برامج الكومبيوتر الموسيقية تنتشر بتسارع وتطور هائلين، وخصوصاً برامج “الملحقات الرقمية Plug-ins” التي توفر خلفيات مد “PAD” هائلة بتنوعها وجمالها، وحلَّت هذه الملحقات مكان الوتريات والنحاسيات، وزادت عليها دقة ودسماً في نوعية الصوت، لأن الصوت هنا لم يعد منحصراً في نوعيتين ثابتتين (وتريات ونحاسيات) بل تجاوز ذلك بأرقام فلكية من أنواع الخلفيات التي لا يحدها الخيال، فالصوت هنا كما يتخيله صاحب العمل فإنه يحصل عليه.
وبعدما كانت “ستاندرات” (2) الغناء الغربي تعتمد على النوعين السالفين من المد (وتري ونفخي) في بنائها الأوركسترالي، بدأت أصوات الملحقات الرقمية تحل مكانها بالتدريج، إلى بزغت سنوات القرن الحالي الأولى واحتلت هذه الملحقات مكاناً مرموقاً في لمِّ شمل عناصر الأغنية بخلفيات بالغة الروعة يحدها الخيال فقط كما أسلفت. أما اليوم فقد اندثرت الخلفيات الحية نهائياً إلا في الأعمال الآكاديمية القياسية. يمكن الاطلاع على قائمة بيلبورد لأفضل 100 أغنية عالمية وملاحظة أن الآلات الوترية والنفخية الحقيقية قد اندثرت تماماً من الأغنيات الحديثة ولم يؤثر ذلك على انتشار الأغنية.
*(مراد داغوم – مؤلف وموزع وناقد موسيقي – سوريا)



