السينما الغربية، والإيمان (1) .. مراد داغوم

بعد مشاهدة فيلم من السينما الغربية بعنوان (تاريخ العالم History Of The World) منتصف الثمانينات، كانت ردة فعلي “الأولية” هي الضحك المتواصل في نصف الساعة الأولى من الفيلم، حيث بدأ زخم الكوميديا بعدها بالتراجع، الفيلم إنتاج سنة 1981، وكنت قد استأجرت شريطه من محل الفنان “جوني سالم” في الشعلان بدمشق.
يزعم الفيلم أنه يعرض تاريخ البشرية منذ بدايتها إلى العصر الحالي، لكنه استعرض ذلك بأسلوب هزلي ساخر. فقد وثَّق اكتشاف الموسيقا مثلاً عبر نكتة طريفة مبنية على صراخ رجل يتألم، كما تطرق لاكتشاف النار في مشهد هزلي مضحك يعتمد على افتراض قلة مدارك الإنسان الأول. كذلك قدم الفيلم مشهداً لما سمّاه أولَ زواج للمثليين في العالم.
إقرأ أيضاً .. تقاسيم على شرف الغريبة ..
لكن توظيفه للكوميديا في مشاهد سِيَرِ بعض الأنبياء كان دَسّاً للسُّم في العسل، فقد اعترض سيرة النبي موسى مرتين وصَوَّره فيهما كرجل أخرق، أما في مشهد “العشاء الأخير” فلم ينجُ المسيح من النتيجة ذاتها. كانت معالجة سيناريو تلك المشاهد تنِمُّ عن عقلية مُلحدة تسخر من أحداث الكتب المقدسة.
على الضفة الأخرى، بدأت سلسلة أفلام (The Omen) والتي تعني (المسيح الدجال) بجزئها الأول سنة 1976، تلاه الجزء الثاني سنة 1978، ثم الثالث سنة 1981؛ مبنية على فكرة العودة الثانية للمسيح والتي يسبقها ظهور المسيح الدجال.
يتخيل السيناريو أن عودة المسيح ستكون في “لندن” لذلك سيظهر الدجال فيها أيضاً، ويعتمد على تفسيرات خيالية لبعض نصوص العهد القديم (التوراة) مثل أن الدجال سيخرج من عائلة سياسية بناء على: (رأيت الوحش يخرج من البحر = البحر فسروه أنه هو السياسة، لا بد للدجال من عائلة سياسية) لذلك تم اختيار عائلة السفير الأميركي في لندن ليكبر الدجال طفلاً في كنفها. كما تضمن السيناريو تفسيرات أخرى مثل أن (عودة الامبراطورية الرومانية) هو نهوض الاتحاد الأوروبي، والنار التي تهوي من السماء هي سقوط مكوك الفضاء مشتعلاً.
إقرأ أيضاً .. الأغنية والسياسة …
تُكَرِّس تلك الثلاثية فكرة العودة الثانية للمسيح، وتؤكدها عبر تأكيد نجاح الدجال في تجاوز كل المخاطر التي هددت حياته، بل إنه قضى على كل من وقف في طريقه بشكل وحشيّ لا يُصَدَّق. يعتمد السيناريو على خرافة نهاية العالم سنة 2000 بالمولد الثاني للمسيح، لذلك لا بد للدجال من أن يسبقه ب 30 سنة. كما أن فكرة انتقال الدجال إلى الولايات المتحدة وتصوير هذه الدولة على أنها امبراطورية متوحشة تريد أن تتحكم بالعالم ليست فكرة سيئة بحسب الاستراتيجية الأميركية، فهذا إرهاص طيب يُثَبِّتُ في الأذهان فكرة قوة وعظمة أميركا هي أمر واقع وعلى الجميع تصديقه. تماماً كما أراد فيلم he League of Extraordinary Gentlemen أن يثبت للمشاهد عام 2003 أنها فعلاً كذلك.
تم إصدار جزء رابع من سلسلة Omen سنة 1991، The Omen 4, The Awakening وهو أكثرها خيالاً، حيث نرى أن الطفل الشرير هنا هو بنت، ليتضح لنا في نهاية الفيلم أنها مجرد حاضنة للدجال الذي تكوَّنَ في أحشائها نتيجة فاحشة عائلية. تم تصنيف هذه السلسلة تحت تبويب أفلام الرعب، لكنها كانت أقرب للبروباغاندا الدينية التي تعزز الإيمان بروايات العهد القديم وتروِّج للسلطة الزمنية ببراءة.
لكن الشركة المنتجة العريقة ذاتها، Twentieth Century Fox كررت الجزء الأول من هذه السلسلة بفيلم آخر من إنتاج سنة 2006 وبالعنوان ذاته: The Omen 2006، متَّبِعة تماماً التسلسل ذاته للأحداث والشخصيات إنما بوجود اختلافات في بعض التفاصيل الصغيرة التي لا تؤثر على الأفكار العامة للسيناريو. قال النقاد السينمائيون إن الشركة استفادت من انتقادات الأجزاء السابقة، وعند مشاهدة الفيلم لن تلحظ اي أثر للتغيير! فالقصة مليئة بالعثرات المنطقية ولم يتم تلافي أي منها، خصوصاً في مشهد النهاية. لأن السفير بعدما قضى على المربية الشريرة لم يبق أمامه عوائق للوصول إلى الكنيسة لقتل الطفل هناك بحسب توصيات كاهن القدس، فلماذا خرج بسيارته من منزله بتلك الصورة السريعة المثيرة للفوضى التي لفتت انتباه الشرطة فلاحقته وقتلته قبل أن يقتل الدجال، فتم إنقاذ الدجال تمهيداً لإنتاج الجزأين التاليين. لو أن السفير خرج من منزله بهدوء بعد تخدير الطفل أو إفقاده وعيه على الأقل لأنجز المهمة بنجاح، لكن ضرورة الإنتاج استلزمت هذه العثرة المنطقية في الأحداث.
إقرأ أيضاً .. أنت تكتب كتاباً واحداً! ..
جدير بالذكر، أن الموسيقا التصويرية التي وضعها Jerry Goldsmith كانت تحفة كلاسيكية بمعنى الكلمة، ولا سيما أنشودة Ave Satani (المرض الشيطاني، أو آلام الشيطان) بداية الفيلم والتي رافقت الكثير من أحداثه، وهي ترنيمة لاتينية بنذر لحنها بأخطار قادمة، وتبدأ بعبارة: “نشرب الدم”. الأنشودة من كلماته وألحانه، نفذتها أوركسترا لندن London Symphony Orchestra، وقد نالت هذه الموسيقا جائزة Best Original Score وجائزة Best Original Song. رابط الموسيقا مرفق في نهاية المقال.
أما فيلم Gifted سنة 2017 فقد تحرر من اللف والدوران، وطرح سؤالاً مباشراً على لسان الطفلة التي أعجزت أساتذة الجامعات في نبوغها بمادة الرياضيات. ففي نزهة مسائية مع والدها سألته: (هل هناك إله)؟ أردفته بأسئلة أخرى مشابهة؛ وكانت أجوبة الوالد تدل على أنه ينتمي للعائلة اللاأدرية، مع ميل إيجابي نحو الإيمان المريح عندما نصح ابنته باتباع سلوك جارتها وصديقتها “روبيرتا” المؤمنة.
يتابع الفيلم حكاية الطفلة “ماري”؛ وهي موهوبة فكرياً intellectually gifted، فبرغم عمرها الصغير (6 سنوات) إلا أنها تُبدي تفوقاً في فهم أصعب المعادلات الرياضية. ويعرض علاقاتها مع عمها الوصي عليها، وأمها التي تركتها، وجدتها، وصديقتها روبيرتا الأربعينية. يربط الفيلم ما بين العبقرية العلمية والتساؤلات الوجودية عبر فكر علمي بحت اعتاد الوثوق بالرياضيات ونتائجها المُحَتَّمة.
هناك أيضاً أعمال هوليودية أكثر جرأة في مواقفها من القضية الوجودية والإيمانية، أكثر جرأة في طرح الأفكار بين “مع وضد”، وأكثر خطورة على الأذهان، تبدو أمامها النوعية السابقة مجرد عروض ترفيهية؛ ستكون لنا معها محطة قادمة.
*مؤلف وموزع وناقد موسيقي – سوريا
روابط:
بعض مشاهد من فيلم History Of The World
https://www.youtube.com/watch?v=b5VsYT5vbWE
مشاهد من فيلم Omen 1
https://www.youtube.com/watch?v=7RzSfl7AbsE
الإعلان التجاري عن فيلم Omen 2
https://www.youtube.com/watch?v=57SQ9bDhxDY
مقارنة بين Omen 1 و Omen 2006
https://www.youtube.com/watch?v=NGi4_rPdJ4Y
مشهد الأسئلة الوجودية في فيلم Gifted – مترجم
https://www.youtube.com/watch?v=h50KlkCqRhQ



