“السيدة والكلب”.. بقلم: أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …
.
من البديهي أن يحيل هذا العنوان إلى ما كتبه أنطون تشيخوف في رائعته (السيدة والكلب)، وأكثر من ذلك ربما يذكرنا بقصيدة الشاعر العربي الراحل أحمد مطر نظراً لأن هذا العنوان ذو طاقة إيحائية، ترتبط بسياقات مختلفة اجتماعية وفكرية وإنسانية على وجه الخصوص.
لكن للعنوان قصد آخر بعيداً عما يحيله إلى ذاكرة المتلقي واستدعاء حوامله من المنجزات الأدبية على اختلافها، ذلك أن ثمة مشهد يتكرر بتواتر ما حينما تجد الكلاب المدللة والمرفهة للغاية بصحبة سيدات، وهنا أتذكر ما قاله الكاتب الباراغواياني الأشهر إدواردو غاليانو: «أن الكلب هو من ينزّه صاحبه»، بمعنى آخر ليست المسألة في الحديث عن الوفاء المفقود بين البشر أنفسهم، ليجري الإبدال والاستبدال لعالم آخر اضطررنا إلى أنسنته بالضرورة، وجسرُ غير هوة مع إنسانيتنا المثلومة، وهذا ما تؤكده البرامج الوثائقية الكثيرة وأفلام الفيديو القصيرة، التي تتحدث عن وفاء الكلاب وامحاءه حدّ الندرة مع البشر، فمنذ أزمنة بعيدة كان الإنسانويون قوة مثال الروح على منظومات القيم وتجسيدها، وليس من المستغرب في هذا المجال أن يرتقِ بشر بعينهم إلى مصاف المثال، وسدرة المآثر التي أصبحت نادرة في أيامنا العصيبة هذه.
إذن من ينزه من؟، والأدل هنا من يجرؤ على الحوار مع كائنات أخرى لا شأن لها بصناعة الشر والانقلاب على بني جلدتها، حسبها أنها تنتمي إلى عالمها الغريزي المتسق والمعقد بآن، وكيف لها أن تلتقط إحساس البشر ليصبح لديها وعياً خفياً بمنحهم الإحساس بالأمان حدَّ الذود عنهم لحظة الخطر، ليست تلك معضلة بل أصبحت بديهية تترسخ يوماً بعد يوم ويُتداول الكلام عنها في أوساط الميديا وعوالم الصورة، وفي ذلك التبادل عطفاً على تلك الإنسانية، تنشط المخيلة الأدبية كما المخيلة الاجتماعية، في جعل الكلب كائناً أقرب للإنسان إن لم نقل بديلاً عنه، وإسباغ المزيد من الصفات والألقاب عليه كما وقرَ في الذاكرة الجمعية، وكثيراً ما سمعنا قصصاً عجيبة وغريبة بآن حدَّ الأساطير، فما بالكم بكلب ظل بقرب صاحبه المتوفى حتى الصباح يحضنه ويشم رائحته وينبح نباحاً خافتاً أقرب إلى الصوت الذي يعبر عن حزنه، فضلا عن موتى لا يعلم بهم أحد، مثلاً موت شاعر ستجد الكثير ممن يعرفونه ويتداولون صوره، وأجزم أن في حياته لم يعثر على عدد جيد من القراء، ما خلا الذين يحتفون بكتابه حينما يوقعه في مركز ثقافي مرموق، وقس على ذلك من أمثلة أصبحت أكثر من ظاهرة تستحق التحليل والتركيب وكل أنواع القياس.
ولنتذكر تلك الصحيفة الساخرة التي أصدرها الكاتب الراحل صدقي إسماعيل في خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت بعنوان «الكلب» ولننتبه إلى مبررات تسميتها، إذ يقول –إسماعيل-: «الكلب هو الكائن الوحيد الذي يحق له أن ينبح من دون أن يلزمه أحد بشي»، وهكذا اختارت الجريدة ما اسماها صدقي إسماعيل بالقصائد «الحلمنتيشية»، ولنا أن ندرك مقدار السخرية فيها من تقلبات الأوضاع السائدة آنذاك.
إذن بالعودة إلى السياق من أجل إحراز المعنى المتماهي معه، تبحث إنسانيتنا عن معادل لها في عالم الحيوان، لا لشيء وإنما توسلاً لرتق ذلك الحوار المفقود.



