الديك الفصيحالعناوين الرئيسية

الإعلام .. كما يجب أن يمارسه الأوكرانيون !!..


تجربة العمل الصحفي في سورية خلال فترة الحرب يمكن أن تُدَرَّس وتُستَنسَخ في كل تجارب الإعلام في الحرب الأهلية أو الداخلية التي ستحدث في العالم.

إذ يمكن أن تُخلق صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل اسم “كييف الآن – لوغانسك الحدث – دونتيسك الحرة”، وتكون منصة تنشر أخباراً نقلاً عن مصادر “خاصة – مطلعة – رفيعة المستوى”، وسيثق فيها الجمهور إن كانت تتوافق مع ميله السياسي أو رأيه في الأزمة، وعلى أساس المثل الشعبي السوري “ضربة على الحافر وضربة على النافر”، يمكن أن تحجز مثل هذه الصفحة لنفسها مكانة بين الجمهور وتصير وسيلة إعلامية معتد بها بشرط تغيير بسيط في القاعدة، لتصبح “10 ضربات على الحافر وواحدة على النافر”، والأخيرة هي من ستبني الثقة مع الجمهور بأن يقدمها القائمون عليها على إنها “صفحة مستقلة وتنشر الرأي والرأي الآخر”.

يمكن للأوكرانيين أيضاً أن يستخدموا المصطلحات التي استُخدمت في الحرب التي تشهدها سورية، فإن مات شخص من الفريق الذي تشجعه هو “شهيد”، وإن مات الشخص من الطرف الآخر فهو “قتيل”، ويمكن أن يبدأ خبر مقتله بالفعل “نَفَقَ”، ليتم تجريده من صفة إنسان، وهذا الانعكاس الطبيعي لاستخدام الكراهية التي تعد جزء أصيل من أي حرب أياً كان شكلها، فالحرب لن تكون بدون وجود توظيف أكاديمي وهمجي للكراهية من قبل الأطراف القائمة على الحرب، وكما كان السوريين جسداً واحداً قبل الحرب في سورية ويتغنون بأنهم لم يكونوا يوماً مقتنعين بالفوارق الطائفية فيما بينهم، وأن هذه الفوارق لم تكن موجودة فيما قبل الحرب، فعلى الأوكرانيين أن يعوا إن ما قبل الحرب في بلادهم أيضاً زمنا لا مكان فيه للفوارق العرقية، فالكل كان يحب الكل، وهذه الكراهية التي ستهبط فجأة سببها تدخل الدول الخارجية في الأزمة وتأجيج الأزمات.

للأوكرانيين الحق بأن يكون ثمة صفحات تنقل لهم كل خبر عاجل، ويجب أن يكون لكل طرف صفحاته الخاصة في نقل الأخبار العاجلة والسريعة، مع التذكير بأن المشتغلين في الصحافة ونقل الأخبار في سورية اخترعوا آلية جديدة في كتابة مثل هذه الأخبار، فمثلا إن كلمة “عاجل”، بألف واحدة بعد العين تشير إلى خبر عادي، أما إن كرر حرف الألف وبات اثنين أو ثلاثة أو خمسة عشر، فإن ذلك دليل على إنه “أعجل من العاجل”، بل إنه “عاجل مهم وغير مسبوق الحدث”، ومثله كلمة “هام”، وهذه قاعدة يجب أن تكون في حسابات من سيقوم بفتح صفحة على مواقع التواصل ليكون عين للأوكرانيين من الفريقين على ما سيجري في بلادهم.

إن تجربة السوريين في تحليل الحدث أياً كان ملهمة في هذا الإطار، ويجب أن يعمل الفريقين في أوكرانيا على أن يؤمنوا طقماً كاملاً من المحليين الاقتصاديين والعسكريين والسياسيين، ولا يكتفون بالتحليل الاستراتيجي، كما إن الصحفيين في أوكرانيا ملزمين اليوم أكثر من غيره بأن يجمعوا أرقام المحللين والبرلمانيين والمعارضين الوطنيين وغير الوطنيين وتأمين مصادر في كل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، المؤسسات في كييف وفي جمهوريتي الشرقي، ومن الضروري جداً أن يكون ثمة “محلل ستاند باي”، يكون جاهزاً للظهور على الشاشة في أي وقت، فليس من المعقول أن يحدث أمر جلل في ساعة متأخرة من الليل ولا يوجد من يعلق على الخبر ويحلله ويفنده ليفهمه المواطن الأوكراني ويعرف أن كل ذلك دليل على إفلاس العدو، وليس من المهم معرفة هوية العدو هنا، المهم أن ينوجد.

وعلى العاملين في الصحافة الأوكرانية بكل اصطفافاتها السياسية في الأزمة الحالية انتقاء المصطلحات التي يجب أن يستخدموها في تأجيج الحرب وضمان طولها واستمرارها بما سيفضي حتماً إلى أن يكون ثمة نجوم في الإعلام، يتحدثون في السياسية والاقتصاد والرياضة والصحافة الاستقصائية وصحافة البيانات والتحقيقات الرقمية، ويجب ألا يُغفل هؤلاء المسابقات الإنسانية التي تعتمد على تصوير الفقراء والمعاقين في الشوارع وهم يجيبون على أسئلة بسيطة قبل أن يحصلوا على مساعدة مالية مصورة، وحقيقة الأمر أن هذه المساعدات ستدر أرباحاً على موزعها تفوقها بمرات إذا ما تم نشرها من خلال صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تؤمن أرباحاً للناشر.

وبما إن الطقس في أوكرانيا أقسى منه في سورية، فعلى الأوكرانيين أن يتفقوا منذ الآن على آلية لإدخال المساعدات، وأن تكون الخيام التي ستؤمن للهاربين من الحرب مبنية من الاسمنت، فشوادر الأمم المتحدة لا تقي من برد ولا ترد الحر، وعليهم في هذا الإطار ألا يعتبروا أن حصول هذا الطرف أو ذاك على حصة من المساعدات يعد بمثابة دعم من قبل الأمم المتحدة للقتال، فما الذي سيحدث إن حصل تنظيم متطرف مثل “جبهة النصرة”، على نسبة من المساعدات لا تتجاوز 35 بالمئة، أليس لمقاتليه المتطرفين الحق في مثل هذه المساعدات بكونهم سبباً في استمرار الحرب وبالتالي سبباً في استمرار تدفق هذه المساعدات..؟.

إن قام أحد الصحفيين في أوكرانيا بكشف ملف فساد، فعلى الجهة التي كانت موضوع الملف أن تستخدم مصطلحات مثل “مرتزق – عميل – مأجور – من دواعش الداخل”، في توصيف الصحفي، على أن توجه هذه الاتهامات من قبل صحفي آخر، وبأدلة وإن كانت مختلقة، ويجب أن يعي الأوكرانيين إن خير ما يمكن إدانة الخصم به هو “مكالمة أو محادثة جنسية”، عبر مواقع التواصل بين الصحفي الذي كشف الفساد وإحداهن، وإن لم يكن ممكناً فمن البسيط أن نروج إشاعة مفادها أن هذا الصحفي “مثلي جنسياً”، وستكون النتيجة مضمونة، إذ سينفض الجمهور من حوله وسيذهب الملف الذي كشفه أدراج الرياح، ولا يغرنك أن تبقى القصة يوم أو اثنين متداولة على مواقع التواصل، فالناس في سورية تنسى بسرعة وتنبري لتداول “تريند جديد”، وسيكون حال الناس في أوكرانيا ذاته بالتأكيد.

إن التجربة السورية في الصحافة والسوشال ميديا خلال فترة الحرب كفيلة بأن تكون مثالاً حياً عما يجب أن يتجنبه الصحافي في عمله على تغطية الحروب أو العمل ضمن دولة تشهد حرباً، وألا يكون من المؤمنين بالغباء كقانون أساسي لجذب الجمهور، وألا يكون العلم الإعلامي قائم على استهداف “جمهور التفاهة”، واستخدام “الكراهية”، في خطاب الآخر.

*محمود عبد اللطيف – صحافي سوري

 

تابعونا على صفحة فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى