فراس الحركة في “الآن .. وبعد” متعة الحزن والألم! .. بقلم: بشرى بدر

…الوسط – midline-new
.
حاذر أن يكون الكتاب رفيقك قبل النوم، هذا ما تقوله مجموعة “الآن .. وبعد” للكاتب فراس الحركه .. فأنت إن فعلت، ستصحو لتفكر وتفرك جبينك، ثم تأرق بما وجدت!
وابتدأ من لوحة الغلاف، التي تضعك في حيرة أمام الوجه السماوي الموشح بغلالة ضبابية، تشف عن ملامح جيوكندية مبهمة، تزيدك حيرة بألوانها، وحمرتها المختلفة عن حمرة العالمين الدنيوي والسفلي، المشغولين بثلاثة ألوان، وما ينجم عن تمازجٍ بينها، حيث لعبت ريشة الإبداع عليه لتطرح كثيراّ من الأفكار، والملفت فيها تغير نسبة القلة والكثرة والزوج الأنثكوري وما سقط بينهما.
لن أقول أكثر.. لكنني لم أستطع تجاوز ما قلته لجمالٍ أشكره لريشة الفنانة: دلال حسن ترحيني.. ولأني لمست بين اللوحة والمجموعة علاقة، بخاصة مع عنوان المجموعة، إذ لعب الكاتب فراس الحركه في قصصه على أكثر من عالم بين الواقع، والشاطح اللا ملموس من عالم الفكرة تارة، وعالم الموت والحياة تارة أخرى.

يتركنا الكاتب من القصة الأولى في دهشة الصياغة، لجريمة نمارسها ومورست علينا، حيث يُقتل الحدس بغريزة الخوف من المجهول بيد العقل، الذي يحرقه بنار المعرفة المقدسة، أو بيد الحب الذي يعمي المخاوف، فتتلاشى مع استعار نار الهوى.. وبكلتا الحالتين، نحن أمام حدسٍ احتواهُ العقل فقتله، أو احتواه الحب فقتل بمخطط العقل.. لكأنه عطر الأزرار، ما أن فتح التوقُ للنورِ بتلاتها حتى تتلاشى. في قصص فراس الحركه نجد المرأة معادلة لكثير من المسميات الماتعة بمجهولها، ومتى أسلمتنا أسرارها فقدت الإحساس ببهجتها، وكأن الكاتب أراد قول: إن وصلت نشوة الذروة، كنت بين الاحتراق عليها نهاية، أو الانحدار عنها بدابة.. كما نجد الرجل مقتولاّ بحبين، لا غنى له عنهما، وكأنها دعوة ضمنية لإعادة النظر فيما عززه المجتمع إطاراّ للحموات والكنات، وما خلفها من ألم. فلنغادر على ألم.. ألم يحفر في الذاكرة موقعه المتبدل، ينبش الكاتب نقطة في الذاكرة الموجِعة والموجَعة، ليقول شتان مابين الموت تعباّ الآن، والموت حباّ من قبل، ويسرد ببراعة واختزال مشاعر الألم والحزن والقهر، ويلجم الذاكرة!
في المجموعة أيضاّ قصصاّ كانت الفكرة فيها تتنافس مع ذاتها في الجمال، وتُجَسَدُ المشاعر بالحركات والمواقف. أما أمنية الأنثى لأنثى القصة، في قصة نكران، فهي لو عشتِ الإبداع لأدركتِ أن لا وجود لملهمةٍ في الملموس، لأنه متى لمسته احترق كماله، وفقد الإلهام..أقولها ويقيني أني ربما كنت مثلها في مكانها!! هل يخطر ببالك أيها القارئ العزيز أن تفتح كتاباّ، لتجد فيه قصة عنوانها: براز..؟! نعم..هي عنوان قصة للكاتب فراس الحركه، يفرق فيها بين أن نعيش زبالة لنقتات، أو نقتات من الزبالة لنعيش.. والخيار بينهما (يييع).
كما وظف الكاتب في مجموعته الحوار بشكل مثير، وأنشأ من الحوار حوارات.. مع اختزال مدهش وسرعة بالتغير والتشخيص.. فيرصد مثلاّ الكاتب تحولات الفرد، وانهيارات منظوماته، ويتفرد الكاتب بروعة تصويره لمخاض الإبداع بكل تفاصيله،ملاحقة.. مهامسة.. تشظي.. صراع مع الذات.. ثم ألم امتشاق القلم، ونعلن الإنتصار عليه..
ونبدأ الكتابة لنكتشف أنه المنتصر، كيف لا.. وهو الكلمة التي هي إنساننا، خاتمة أعلنها الكاتب بكلمات الشاعر الراحل علي الجندي، وأكدها فنياّ بجعل البداية جملة النهاية. يؤخذ على الكاتب فراس الحركه، اشتغاله على اللغة الشاعرية، بخاصة بعض الحوارات الحركية.. غير أني أجدها في قصة عنوان المجموعة مذهلة.
الآن وبعد: قصة لم تكن بمحض المصادفة عنواناّ للمجموعة، لأنها جديرة بأن نرجع إليها إثر قراءة كل قصة، لنقترب منها أكثر، ونعمق فينا الإحساس بقلق الملجوم وآلامه، وندرك العلاقة الرهيبة التي كشفها الكاتب بين كل من الرمز والوثن، قربانين لفرار أوقبول، لنحقق صيرورة ما.. وهنا أشير إلى جمالية الأشعار وتوظيفها خدمة لسياق القصة.
وأخيرااً.. لن أخفي أنني ضربت الورق بيدي، بعد الحلم الأخير لأنثى الظمأ، ثم بكيت!! أربعة أحلام.. الأول وعد، ثم خسارات وخيبة في الحلم الثاني، ثم صحوة معلقة على نقطة ضوء في آخر النفق في الحلم الثالث، فيردها الحلم الرابع بأفدح منها، حيث الانفصال بين أنثاها والحلم، وفي الحلم الأخير يكون الأحتراق، وتلاشي الحلم الرمق شيئاّ فشيئاّ. لن احكي هنا عن روعة بناء القصة ولغتها، فهذا ما تشترك فيه مع رفيقاتها من القصص، لكنها تتفرد بالإشتغال على الحذف الموظف المتقن، والتكثيف المدهش.
(للكاتب أيضاّ مجموعة بعنوان “عصف الرؤى” حائزة على جائزة زكريا تامر للقصة القصيرة).
.
*شاعرة وناقدة – سوريا
صفحتنا على فيس بوك



