إيران والترويكا الأوروبية: مفاوضات تحت ظلال الغياب الأميركي ..

بينما الأنظار تتجه نحو هدنة مضطربة في الإقليم، عقدت جلسة مفاوضات بين إيران والترويكا الأوروبية (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا) هذا الأسبوع، في محاولة لإنعاش جسد الاتفاق النووي الذي يُحتَضَر، لقاءٌ بدا أشبه بمحاولة علاج دون طبيب، إذ أن الولايات المتحدة، الطرف الأثقل وزناً وتأثيراً على طاولة المفاوضات لم تكن حاضرةً عليها، بل غابت عنها وألقت بظلالها على المجتمعي.
لكن، هل في هذا اللقاء ما يدعو للتفاؤل؟، وهل يمكن لمفاوضات كهذه أن تثمر اتفاقاً قابلاً للحياة دون الأميركيين!؟.
لكن، يقفز إلى االاذهان هنا سؤالٌ مبررٌ يقول: هل ما تزال الترويكا الأوروبية مؤهلةً للعب دور الوسيط القادر؟، أم تحوّلت إلى مجرد ساعي بريد ينقل الرسائل بين إيران والغرب بقيادة أميركا؟.
الموقف الإيراني في هذه الجولة لم يختلف كثيراً عن سابقاته: تأكيد على “الحق السيادي في التخصيب”، اتهام الأوروبيين بانتهاك روح الاتفاق، وربط أي تقدّم برفع العقوبات وضماناتٍ بعدم الانسحاب مجدداً من الاتفاق النووي، في الظاهر، موقفٌ وطني متماسك، في العمق، هو تكتيك تفاوضي صار معروفاً.
لكن الحقيقة أن إيران اليوم لا تملك ذات أوراق القوة التي امتلكتها عام 2015، اقتصادها أكثر إنهاكاً، وخصومها الإقليميون أكثر تنظيماً، وتقدّمها النووي يثير قلقاً حقيقياً حتى لدى شركائها الروس والصينيين، ورغم امتلاكها لموقع تفاوضي عنيد، إلا أنها تدرك تماماً أن الوصول إلى صفقة جديدة يتطلب أكثر من رفع الصوت في المؤتمرات الصحفية.
من جهتها، تبدو الترويكا الأوروبية وقد استبدلت دور “الضامن” بدور “المُنذر”، خطابهم بات أكثر حدّة، ومهلة أغسطس لإحراز “تقدّمٍ ملموس” تبدو كساعة رملية مقلوبة، إما أن تتعاون إيران، أو ستفعّل أوروبا آلية الزناد لإعادة العقوبات الأممية، لكنها، في العمق، ليست تهديدات بقدر ما هي محاولة يائسة لاستعادة مصداقية دبلوماسية فُقدت منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018.
ما يعقّد دور الأوروبيين أنهم لا يملكون أدوات ضغط حقيقية، لا نفوذٌ عسكري في الخليج، ولا تأثير اقتصادي مستقل على طهران، بل هم، فعلياً، عالقون بين واشنطن وطهران، في مساحة رمادية تحوّلهم إلى مراسلين دبلوماسيين لا أكثر.
غياب واشنطن عن الطاولة لا يعني غيابها عن اللعبة، هي تراقب، تدفع، تضغط وإن من الخلف، قد يُغري البعض هذا الغياب باعتباره فرصة لأوروبا لتثبت استقلالها، لكنه في الواقع يُقلل من قيمة ووزن الطاولة التفاوضية بأكملها، فالجميع يعلم أن لا اتفاق يُعقد ولا عقوبات تُرفع ولا ضمانات تُمنح دون توقيع أميركي.
وربما تدرك طهران ذلك أكثر من غيرها، ولهذا فهي تتعامل مع هذه الجولة باعتبارها “تمهيداً” أو “مسرحاً أستباقياً”، في انتظار الكواليس الأميركية أن تتحرك.
اللقاء، بحد ذاته، ليس بلا قيمة، مجرد جلوس الأطراف للحوار يخفف من حدة التصعيد، ويتيح للأوروبيين تسجيل موقف سياسي، ولإيران يتيح إظهار انفتاحها التكتيكي، لكن المشكلة أن أدوات البناء غائبة، لا خارطة طريق واقعية، لا ضمانات جدية، ولا رغبة واضحة لدى أي طرف في تقديم تنازلات فعلية.
التهديد الأوروبي بإعادة العقوبات قد يضغط على طهران، لكن تفعيل العقوبات دون دعم روسي وصيني يعني فتح صراع جديد داخل مجلس الأمن، أما إيران، فهي تعرف جيداً كيف تستثمر الوقت بالتصريحات دون تغيير جوهري في أنشطتها النووية.
ما جرى في إسطنبول ليس مفاوضات، بل جسّ نبض متبادل تحت سقف منخفض التوقعات، الترويكا الأوروبية تفتقر إلى الثقل السياسي، وإيران تراهن على الوقت، وأميركا تُدير المسرح من الكواليس، أما الصفقة النووية، فهي باقية، حتى إشعارٍ آخر، في غرفة العناية الفائقة.
وحتى يتحقق التوازن بين الأمن والمصالح، سيبقى كل لقاء مشابه مجرد تكرار لحوار طرشان، تُكتب فيه البيانات، ويُقرأ فيه ما بين السطور أكثر مما يُقال فيها صراحة.
ناصيف مكي – برلين



