أوكرانـ ـستان.. صمت أمريكي مدفوع الثمن.. محمود عبد اللطيف

أوكرانـ ـستان.. صمت أمريكي مدفوع الثمن: لا يمكن فصل ما يجري في أوكرانيا عن جملة من العوامل التي سبقت هذا الحدث الذي قد يعيد الحرب إلى القارة العجوز.
البداية كانت من موقف محايد وغير متوقع من الحكومة الروسية حيال دعم تركيا لأذربيجان في هجومها على مناطق في أرمينيا، لتكتفي موسكو بلعب دور “حفظ السلام”، بعد أن خسرت أرمينيا جزءاً من أراضيها لصالح أذربيجان التي دعمت بعسكرة تركية للمشهد.
العامل الثاني هو أفغانستان، والحدث الذي لم يكن له أي تفسير بالمطلق حين تخلت الإدارة الأمريكية عن حلفاءها الليبراليين الجدد هناك، لتفسح في المجال أمام طالبان، الحركة المتطرفة الإسلامية، للتقدم والسيطرة على بلاد كان الاتحاد السوفيتي قد خاض فيها حرباً لحماية أمنه القومي، وبرغم خطورة أن تعود هذه الحركة لحكم دولة جارة لروسيا بما يهدد أمنها القومي فعلاً، إلا أنها لم تذهب نحو تصعيد سياسي أو عسكري، ربما كانت تجمع نقاطاً لها تمهيداً لاستغلال فرصة تاريخية لاستعادة أوكرانيا بما تمثله من أهمية سياسية وعسكرية واقتصادية لموسكو.
لذلك، لم تذهب أنقرة نحو إغلاق المضائق البحرية (البوسفور والدردنيل)، بخلاف التوقعات التي كان تسود على إن أي هجوم من موسكو على أوكرانيا سيدفع “رجب طيب أردوغان”، نحو منح شركائه في حلف شمال الأطلسي ورقة القوة التي لعبت بها تركيا في حروب سابقة مع روسيا، فالرئيس التركي قبض ثمن حياده سلفاً، وما يصدر عنه من تصريحات لا يختلف عما صدر عن أعضاء الناتو الذين اكتفوا بالإدانات والعقوبات الاقتصادية والسياسية على روسيا التي لن تؤتى ثمارها قبل شهرين على الأقل، وهي مدة كافية بالنسبة لروسيا لإتمام عملها العسكري ومن ثم التفاوض وإنهاء الحدث الأوكراني، والخروج منتصرة بما يسمح برفع العقوبات عنها ما سيجعل حصيلة مواقف أوروبا وامريكا هو صفر على أرض الواقع، فواشنطن قبضت أيضاً ثمن حيادها عسكرياً حين اتخذت موسكو موقفاً مشابهاً في أفغانستان.
الجمهوريتان المستقلتان حديثاً عن أوكرانيا كانتا مراكز للصناعات الفضائية الروسية، كما إن أوكرانيا كانت واحدة من مراكز الصناعات العسكرية الأساسية الروسية وعلى رأس القائمة الدبابات، يضاف إلى ذلك دفئها النسبي قياسا إلى بقية المدن الروسية، وبالتالي إنتاج زراعي مختلف تماما ومكمل للإنتاج الروسي، وبذلك يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعمل على إتمام سلسلة الحروب الضرورية لإعادة الهيبة الروسية، بعد حرب الشيشان ومن ثم جورجيا، ناهيك عن ضرورة التدخل في سورية لحماية مصالح روسيا في البحر المتوسط بما يضمن وصول موسكو للمياه الدافئة.
الحرب في أوكرانيا لا تختلف في أهدافها عن الحروب الروسية في سنوات صعود بوتين سلم القوة، ولا يمكن إلا أن تكون تايوان هدفاً للصين بما يجعلها في مأمنٍ من التمدد الأمريكي في أقصى شرق آسيا.
هذه الحروب تشبه تماماً ما حدث في عشرينات القرن الماضي من صراع على تقاسم النفوذ وطرق التجارة ومصادر الطاقة والثروات في العالم بين القوى الفاعلة، ونهاية الفوضى في الشرق الأوسط، وشرق أوروبا، وشرق آسيا ستكون بتفاهمات جديدة ترسم خارطة الاقتصاد بشكل يرضي الكبار.
أوكرانـ ـستان.. صمت أمريكي مدفوع الثمن .. بقلم محمود عبد اللطيف



