“أبو لهب” .. د. محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …
بُعيدَ تكليفي بمنصب نائب رئيس جامعة دمشق للشؤون الإدارية وشؤون الطلاب، ومع بداية امتحانات الطلبة، عزمتُ على القيام بجولة ميدانيةٍ بين الأروقةِ والقاعاتِ لأستطلعَ أجواءَ الكليّاتِ ، مفضلاً إبقاءَ الأمر طيَّ الكتمان، فلم أبلغ أحداً بذلك.
وفي اليوم الموعود، وأثناء إجراء أحد الامتحانات في كلية الشريعة، دخلتُ إحدى القاعات، وجلتُ بين المقاعد، واقتربتُ من إحدى الطالبات التي كانت منهمكةً في قراءة شيء ما في كفّها ، فما كان منها حين تنبّهت لوجودي إلا أن قبضتْ على يدها وأدخلتْها على الفور في جيب معطفها متمتمةً بهمسٍ شبه مسموع بالآيةِ القرآنية : “وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً ، فأغشيناهم فهم لا يبصرون ” ثمّ نفخت في وجهي!
نظرتُ إليها مستغرباً فعلتَها وقلتُ لها بلهجة قريش غاضباً: أوَ تقرئينَ عليَّ آياتِ القرآن يا امرأة؟! أجابت: ومَن أنتَ حتى تخاطبَني بهذه اللهجةِ العنيفة؟ قلتُ لها متجهّماً: لعلك لا تعرفينني.. أنا المراقب أبو لهبٍ شخصيّاً!!. هيّا أخرجي يدك من جيبِ معطفكِ. تلكّأت بعضَ الشيء وبدت علائمُ الارتباكِ على وجهها، وأخرجَت يدها ببطءٍ ملحوظٍ ممرّرةً إياها بشدّةٍ على قماش معطفها، ثمّ عادت وضمّت يدَها اليسرى إلى اليمنى وجعلت تمرّغُهما بحركةٍ تشبه حركاتِ مَن يفركُ النعنعَ المجفّفَ. قلت لها: افتحي كفّكِ. ففتحتِ كفَّ يدها اليمنى التي كانت تكتب بها.. فسارعتها بالقول: لااا.. بلِ افتحي كفّكِ الأيسر.
تلكأت من جديد ثم فتحته ببطءٍ بالغ فلم يكن فيه سوى آثارِ حبر أزرق. وباعتبار أنّ عناصرَ الجريمةِ ذات العزم والإصرار لم تكتمل بالدليل والبرهان، فقد عفَونا نحن – أبا لهب- عن تلك الطالبة، وانتهى الموضوع في لحظته.
غادرتُ القاعةَ إلى أخرى باحثاً عما يمكن أن يثيرَ انتباهي في امتحانات طلابنا الأعزاء، ومحتفظاً بتلك الواقعةِ في ذاكرتي حتّى لحظةِ كتابة هذه الأقصوصة القصيرة.



