العناوين الرئيسيةدولي

هل سيغزو «الإسلام الفرنسي» شمال افريقيا؟

قد تكون كلمة غزو ثقيلة جدا على أرض قاومت الوجود الفرنسي بضراوة ولعقود. لكن إن لم يكن ما يفعله الفرنسيون اليوم في الشمال الافريقي فصلا آخر من الغزو فماذا يكون؟ في جزء منها تبدو «الإجراءات الملموسة والسريعة» التي وعد الرئيس الفرنسي باتخاذها، بعد حادثة مقتل أستاذ التاريخ، ردة فعل تلقائية على الحادث، غير أنها ليست في واقع الأمر سوى تسويق مدروس لتصورات قديمة، لما سيصبح عليه وضع الإسلام داخل الدولة الفرنسية.
والمؤكد أن أبعادها لن تقتصرعلى الداخل الفرنسي وحده، فلن يكون مسموحا من هنا فصاعدا، على سبيل المثال، ووفقا لما ينص عليه مشروع قانون سيعرض على البرلمان الفرنسي، استقدام أئمة وخطباء من الجزائر والمغرب، وحتى تونس، كما كان يحصل سابقا لتعليم الجاليات المغاربية والعربية والإسلامية عموما دينها.
لكن هل سيعني ذلك أنه سيكون ممكنا، أن نرى العكس، أي أن تصدّر فرنسا لاحقا إلى تلك الدول المغاربية فقهاء وأئمة يدعون لإسلام مغاير؟ قد يحتد البعض ويقول إن هناك إسلاما واحدا، لا عددا من الإسلامات. غير أنه وبغض النظر عن دقة مصطلح «الإسلام الفرنسي» وخلفيات ظهوره، وما إذا كان مقبولا في الأصل، فإنها ليست المرة الأولى التي يكون فيها المحور البارز في معظم وسائل الإعلام الفرنسية على الأقل. وسيكون مخطئا من يظن أن مقتل أستاذ التاريخ بتلك الطريقة، هو وحده الذي ألهب الفكرة، أو أن الفرنسيين سينشغلون الآن، بعد حادثة يوم الجمعة الماضي، بمحاصرة ما يصورونه إرهابا أو تطرفا إسلاميا، داخل حدودهم فحسب، لأن باريس عندما تنظر إلى باقي مدنها وقراها بعين، فلا يغيب عن بالها أبدا أن تنظر، وفي الوقت نفسه أيضا، بالأخرى إلى مستعمراتها السابقة في الشمال الافريقي. أما ما يعنيه ذلك بالمختصر المفيد فهو، أنها ستقوم وبالموازاة مع تطبيق ما يمكن أن يطلق عليه سياسة تجفيف المنابع، بالتسويق لما سيقدّم على أنه النموذج الفرنسي لإسلام جديد، لا يتعارض في شيء مع ما يوصف بقيم الجمهورية والعلمانية، ورغم أن الشيشانيين والباكستانيين وجاليات أخرى، قد تدفع غاليا ثمن القرارات التي ستأخذها السلطات الفرنسية على خلفية الحادثة الأخيرة، بالخصوص، فإن الجالية المغاربية في المقام الأول، وعلى اعتبار أنها الأكبر والأكثر انتشارا في التراب الفرنسي، هي التي ستكون في عين العاصفة المقبلة بكل ما قد تحمله من تقلبات. لكن إن عطست باريس، فهل لابد أن يصاب المغاربيون وبالضرورة بالزكام؟ وبمعنى آخر هل أن تلويح السلطات الفرنسية بخطر ما تسميه بالانفصالية الإسلامية، والإرهاب الإسلامي، ستكون له حتما عواقب وتداعيات لاحقة، لا على الجاليات المغاربية هناك فحسب، بل حتى على الضفة المقابلة كذلك؟
ربما لم ينتبه كثيرون في غمرة تركيزهم على الفقرة التي جلبت الانتباه أكثر من غيرها في خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الثاني من الشهر الجاري، وهي تلك التي قال فيها إن الإسلام يعيش في أزمة في مختلف أرجاء العالم، إلى ذلك الربط السريع الذي أجراه فورا بعدها، بين تشخيصه أو توصيفه للإسلام على ذلك النحو، وتقديمه لتونس كدليل إثبات على صحة أقواله، لكن اقتران الأمرين، أي الحديث عما وصفه بأزمة الإسلام، بتغير نظرة التونسيين لذلك الدين، عما كانت عليه قبل ثلاثين عاما لم يكن عبثيا. فقد كان جزءا أصيلا في ما سماه جون لوك ميلانشون في وقت لاحق بالمسرحية. ولكن ما الذي كان يعنيه ماكرون حين قال «إن الإسلام يعيش أزمة عميقة في كل أنحاء العالم، على علاقة بتوترات بين أصوليات، وبرامج دينية تقود في كل مناطق العالم إلى التشدد، بما في ذلك في دول يمثل الإسلام دينها الرسمي، ويعتنقه فيها أغلب السكان» قبل أن يشير إلى ما وصفها بالدولة الصديقة تونس، التي كانت، على حد تعبيره، قبل ثلاثين عاما أفضل من الآن، ثم يضيف أن «نظرة التونسيين للإسلام وطرق فهمه وتطبيقه كانت قبل ثلاثين عاما مغايرة جذريا، لما هي عليه اليوم، رغم أن التونسيين يعتبرون شعبا مثقفا ومتعلما». ويخلص بعدها إلى أن التوترات التي تعيشها بلاده اليوم هي نفسها الموجودة في تونس؟

إن القصد من وراء الإحالة المكانية والزمانية، كان واضحا، ولعله اختصر وإلى حد كبير تصوره لذلك الإسلام الفرنسي. فتونس لم تكن فقط هي البلد المغاربي والعربي الأكثر قدرة من غيره، ولعدة اعتبارات، على الاقتراب من العلمانية الفرنسية، وربما حتى تقليدها ومحاكاتها بشكل من الأشكال، بل إن ما عاشته قبل ثلاثين عاما كان يشير وبوضوح إلى معالم الاستراتيجية المقبلة، التي اختارت باريس انتهاجها لاحتواء المد الإسلامي الذي بات يزعجها. لقد كان الإسلام الذي فصّله الرئيس الراحل بورقيبة، ومن بعده الرئيس المخلوع الراحل بن علي، بشكل تام عن حياة التونسيين، وجعله مقصورا على بعض المناسبات العامة، ومحصورا في بعض الأذكار والأدعية والخطب الممجدة له، والمبررة لسياساته داخل عدد محدود من المساجد، وحوّله إلى ما يشبه الفلكلور الشعبي، الذي لا أثر له في حياة الناس، هو النموذج المطلوب للاقتداء به. فقطع المسلمين داخل فرنسا عن جذورهم وفك ارتباطهم عن فكرة انتمائهم لإسلام كوني وإنساني، لا يفرق بين شمال وجنوب، أو بلد وآخر، وحصرهم داخل معازل مغلقة، وجعل انتمائهم للدين مسألة رمزية وفردية، أكثر منها عقائدية واجتماعية هو الهدف المطلوب. ولأجل ذلك فإن اللعب على الكلمات يبقى ضروريا في الوصول لتلك الغاية. وقد لا يختلف كثيرا ما تقوله السلطات الفرنسية اليوم عما كان يردده نظام بن علي بالأمس، وهو أن لا مشكل أبدا مع ذلك الإسلام المتسامح المنصاع لقوانين الدولة، والمؤمن بالحق في الاختلاف، بل المشكل فقط مع فئة محدودة من المسلمين، لم تفهمه أو فهمته على نحو خاطئ، وحولته إلى أداة للتوحش والقتل، لكن أي شيء سيبقى من ذلك الإسلام، ومن أسسه وثوابته، إن ترك تحت رحمة الأهواء السياسية، ورهن أنظمة قمعية بالأمس وديمقراطية اليوم تفصّله على المقاس؟
ولعل البعض قد يقول هنا، وما علاقة المغاربيين بكل ذلك، وما مبرر إقحامهم في مسألة قد لا تعنيهم بشكل مباشر؟ غير أن الموضوع يبدو أعمق وأكبر من مجرد الإعلان عن إجراءات، أو قرارات تخص فرنسا وحدها. فلن يكون بوسع باريس أن تمضي بعيدا في خططها بمعزل عن دعم مغاربي ملحوظ، من خلال اشتراك بعض دول المغاربية مثلا في بعض الخطوات، كتعديل أنظمة ومناهج تعليمها بشكل يقلص من حضور الإسلام فيها، وتحوير بعض قوانينها بشكل يسمح بأن يمرّ التهجم على الإسلام ورموزه حتى داخل تلك الدول، بدون زجر وعقاب. ولأجل ذلك فإن تونس تبدو المنصة المثالية في المنطقة لتحقيق ذلك. أما هل سيحقق الغزو الجديد تحت لواء الإسلام الفرنسي أهدافه؟ وحدهم أحفاد الأمير عبد القادر والخطابي وعمر المختار من سيجيبون.

المصدر : القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى