نهلة السوسو – دار رِيْحان
نهلة السوسو – جريدة تشرين
عيدُها ، كان في بيوتٍ خارج بيتها ! بيوتٍ نائيةٍ عن البيت الذي تتركه برفوفِ خزائنِهِ الممتلئة بحلوى القرفة والزّبيب واليانسون وعلى مواقده الأربعة ، قدورٌ ، يهدأ غليانُها مع فوح الفلفل وورق الغار وصغير ثمر اللّيمون ..
تستيقظ ، حتماً قبل الفجر ، فمع الشُّروق ، حتّى لو كانت الشَّمسُ محتجِبةً ، وراء سُحُبِ وصبيبِ المطر ، يجب أن تكون ” هناك ” ! تلفُّ شعرَها بالمنديل الأسود الطّويل ، ودون أن تطلب ، يكون ولدها الأثير إلى قلبها ، الذي كان يكبر عيداً بعد عيد ، وهي غير منتبهة لذلك ، واقفاً على الباب بانتظارها ! إلى ساحة السُّوق يمضيان وأنداء السّحَر تهطل ، وهو سوى أنَّه ، يصغي إليها بجوارح قلبه كلّما نطقت بكلمة ، يعرف كيف يختار باقات الرّيحان جيّداً .. خضراءَ ، ريّا ، أوراقها ناعمة على أغصانٍ رخْصَة ، ما يلبثُ الماءُ المرشوش عليها أن يقطر على أصابعه وملابسه وهذه المرّة زادت الباقاتُ باقةً فاشترت ستّاً .. ثمّ تلبّثَت قليلاً وانحنت على باقةٍ ، طفَحَت أزهارُها البيضاء المموّهة بالبنفسجي ، خارج دلو الماء ، فقال البائع المثقلُ بالملابس البالية : هذه الكومة فيها سبع باقات ! وهي تريدها واحدةً ، لا سبعاً ولا سبْعَ عشرة ! تضمُّ زهرَ الغريب إلى حضنها ، لِصْقَ باقات الآس ويمضيان .. يبدو شوقُها في خطاها السّريعة أشدَّ إيلاماً له من الدُّموع والأرق والمناجاة التي كان يسمعها في عمق اللّيالي ، ويرسم في خياله الوقائع المضنية التي تنتظره ، عندما يتجاوزان بوّابة المقبرة الفسيحة التي سكنَها أحبّتُها واحداً إثْرَ آخر ..ستضع الرّيحان باقةً ، باقة ، عند أقدام أحبابها ، حريصةً على مسامحتهم لأنّهم فارقوها تباعاً وأقفرَت منهم مجالسها وأعيادها ومناسباتُها السّعيدة والحزينة … لكنْ ، تلك الأزهار ، لمن ؟ أشرَعَت عينيها إلى عمق المقبرة التي طالت أشجارها وسمَقَت وتفرَّعَت وظلَّلَت الممرّات ثمّ مشت أمامه وأزهار الغريب تترجرج بين ذراعيها ، باعثةً ، بحق ، رائحتها الغريبة : – هو هناك ، في الطّرف الآخر لأنّه ليس من العائلة التي ما افترَقَت في الحياة وما بعد الحياة وأنتَ تتذكّره ، كان يحمل الخبز لي ولأمّه ، يومَ كان أبوك مسافراً .. وفي حاكورة بيتهم الذي هدمته القذائف كان حقلُ زهر الغريب ..
تضع الزَّهر على قبره ، ويسمع صوتها الهادئ ، غير مصدِّق : أمُّك تسلّم عليك وتقول لك إنّ الغربة لم تواتِها . سنزورك معاً ، حين تعود فأنت أيضاً ولدي .. تنكفئ ، فجأةً ، على شاهدة المرمر المنحوتة بيد فنّان حاذق وتبكي بكاءً مُرّاً ! – تبكين الغريب ولم تبكي القريب ؟ – أيَّ غريبٍ بكيت ؟ أبكي عزيزاً رحل منذ سنين ولم نعرف في أيّ أرض دُفِن ! ومن ليس له منزلٌ ودارٌ بعد أن يفارق الحياة ، هو أشدُّ غربةً ممّن تطوِّحُ به الدّيار ! الرّوح التي لا يواري جسدَها ترابٌ يسقيه أحبابُها ، تبقى هائمةً ، تفتّش عن موطنها ومنازلها لكنّها لا تهتدي إلى طريق .. ! الرّوح تبقى غريبةً إذا لم يخضرَّ الآسُ في دارها الأبديّة ، زرْعُ من ألِفَتْهم في دنيا مسرّاتها وأحزانها .. ومن لم يُعْرَفْ مثواه ، مات ميتتيْن وبقيت نار الحزن عليه تتلظّى في قلوب لن تعرف العزاء ! هو يصدّقها لأنّ الشّمس قد أشرقت ولم يعد لهما موطئ قدمٍ في المقبرة الممتلئة بالزُّوّار ..



