نزف في خاصرة الكتابة .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …
في غابة الحروف يعود النداء مقطراً بالصدى وتعود الكلمات باحثةً عما يشكل منها وطناً… الكتابة وطن تبحث عمن اختار الانتماء اسلوباً وطريقةً، إذ تتنفسه الكلمات كما يتنفسها ليغدو طليقاً بأكثر من جناح… الكتابة وهي تستدعي كل ذلك ولا تكتفِ به، هي أكثر من هواء نتنفسه تلك هوية من انتموا حقاً وظل التراب حنطة أرواحهم، وصورة قلوبهم، اللائذون إلى وطن الكتابة لا يشبهون سوى ذواتهم، وذواتهم الأخرى المشغولة باقتلاع أشواك المعنى ليأتي مجوهراً نقياً كوجه الصباح الآتي من أساطير شرقية مازالت تُكتب على أثير الجهات، فكيف لا تتماهى إشراقات الروح وإشراقات الصباح…
الصباح إذن هو طلقة الأرواح حتى يكون الوطن أرضاً وسماء ومعنى، من تصب أنهاره في بوتقة الإشراق، تعالوا إذن لنقيم في إثر المعنى ولعل ثمة من تسائل هل يجوز سُكنى العالم شعرياً؟.. صحيح ولكن ما لم نكن مسكونين به، يظل المجاز تأويل كل الجهات القصية والتخوم، ترفع الكلمة سماواتها بأعمدة الروح، وتستلقي الأرض هناك مضرجةً بالينابيع، ذلك أنها لا تعرف سوى ربيع واحد، هو علامة فارقة للربيع الحق، وسوى ذلك محض ترهات الفصول، وتنضوي الكلمات في نسق كأنها صف العسكر في انتظام النبض، الذاهبون لمقارعة أعداء الشمس، يذهبون إذن هم من يكتبون غير سطر في تاريخ جديد…
قال التاريخ هلموا بالحكايات لترتوي ينابيعي وتأتي مشبعة الصهيل، وأنا المتعدد كأنهار رؤيتكم وكيف تشتق للمدى الكحلي أغانيها البارقة الأناشيد، أذهب بميراث تفاؤلي لأمسح عن القلب دمعة، وأرنو لنبضه كيف يتسارع في ذاكرة النهر والشجر والنار ملحاً للأغنيات الطالعة من جنوب القلب وشماله، لتظل الأسماء واضحة بما يكفي لتُعاد على الشفاه المطمئنة هويةً لا تنتهٍ، وآن للنزف المقدس أن يسكن ذاكرة الينابيع وتمضي الأرض لمستقر لها وحسب اشتعالها أن يكون تطهراً وتلقي السماء كل جمراتها، لترجم الذئاب الطليقين في عتمة المعنى… كل الذئاب المتربصة بالأرض ستمضي، أقل من غبار وضجيج يزعج رئتها التي لا تتنفس إلا أريج من مروا سلاماً، وحملوا الأرض بأكفهم العارية لتصير بحجم وردة لا تمنح عطرها إلا لمن توضأ بالدم… هذا وطن الكتابة فمن يحمل الآن كل وشمها مُزَنَّراً بخضرة الأناشيد التي احترفتها الحناجر ومرت طليقة كخيط الصباح وهو يولد آلاف المرات، لكن كل ولادة هي ولادة جديدة لتظل الشمس من علٍ تضيء ما كُتب من حروف نهارية شهية التأويل باسقةً كسنديان الجبال، واضحةً كما هو الاسم الذي كان وما يزال سورية.



