أرشيف الموقعالعناوين الرئيسيةرأي

مواطن من زجاج .. غسان أديب المعلم ..

مواطن من زجاج ..

كما هو متوقّع، وافقت تركيا على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الاطلسي، بعد أن شكّلت عقبةً مرسومة لفترة قصيرة، في سبيل تحقيق مصالحها المُعلنة عبر المقايضة بسرب طائرات أمريكيّة حديثة، أو قطع الإمداد والدعم والنفَس عمّا تُسمّيه أنقرة بإرهابيّ حزب العمال، بالمقابل، أعلنت كلا الدولتان على الموافقة على الشروط التركيّة، وكلّ هذا تحت بند “فوق الطاولة”، لكن ماذا عن تحتها!؟.

بالتأكيد أنظار السوريّين وقلوبهم على شمالهم المُحتلّ في بعض مناطقه، سواءً من تركيا أو من الجماعات المُسلّحة المدعومة من قبلها، وخصوصاً أن تركيا قد أعلنت عن الاستعداد والتحضير لشنّ العمليات العسكريّة في سبيل الحصول على مسافة أمان من الإرهاب كما تدّعي.

وهنا، وفي هذه النقطة بالذات يحضر مرّة أخرى إتفاق الميثاق الوطنيّ الملّي الذي أقرّه البرلمان التركي عام 1920، وتحضر أيضاً في ذات السياق جميع المصطلحات التي كانت محضر أحاديث المُحلّلين الاستراتيجيّين في العقد المنصرم وماقبله، عن وجود مشروع تركي، يُقابله مشروع إيرانيّ، والكلّ يسأل عن غياب مايُسمّى بـ “المشروع العربيّ”.

كذلك الأمر، مفردات هذه التحاليل والنظريات التي أرهقت المسامع، كأن تسمع على مدى عشرات السنين بأنّنا ندفع ثمن كامب ديفيد حتّى اللحظة، أو أن يفترض الباحثون أن قوّة العلاقة بين سوريا ومصر ستمنع أطماع الغزاة الغرباء، أو أن يكون التحالف الثلاثيّ بين سوريا ومصر والسعوديّة هو الضامن للأمّة العربيّة ومشروعها.

وفي حقيقية الأمر أن لا مشروع ولا من يحزنون، فالدول العربيّة بالعموم أو بالإجماع اعتبرت القضيّة الفلسطينيّة هي قضيّتها المركزيّة .. وعلى أرض الواقع لم تجتمع هذه الأمّة إلّا على قمع المواطن والفكر أوّلاً، ومن ثمّ الاجتماع بكأس العرب لكرة القدم، أو اشتراك عدّة مطربين في أغنية الحلم العربي، ونسيت أو تناست مُعظم هذه الدول أن البناء يكون أوّلاً في إنشاء الإنسان عبر المشاريع الوطنيّة قبل الإنشاء في الخطابات والشعارات..

وقد لجأت بالفعل بعض هذه الدول إلى البراغماتيّة ولو بشكل متأخّر، وحتّى على حساب ما كانت تُسمّى بالقضيّة.. ومنها من بقيت في طور النسيان في ظلّ انعدام وقمع ومنع أيّ بادرة لمشروعٍ وطنيّ يكون لبنة الأساس لتحقيق الأهداف الكبيرة، واستأثرت عبر قوّتها بالقرار، متجاهلةً بناء الإنسان الذي يُعدّ مكمن القوّة الحقيقيّة في بناء الدول.

وفي هذه النقطة بالذات أشار فرانسيس فوكوياما إلى أنّ مقياس قوّة الدولة ليس موّحداً في مؤسسة ما، وضرب مثالاً على هذه الحالة جمهورية مصر التي تتمتّع بأقوى جهاز أمن داخليّ، لكن الفساد ينخر باقي مفاصل الدولة.

ذات الأمر ينطبق على سوريا حرفيّاً، وبعيداً عن مثال فوكوياما، فقد أشار إليه المثقّف السوريّ العضويّ الماغوط ذات مرّة بالقول: “ما فائدة أن يكون النظام قويّاً، والمواطن من زجاج”!؟.

في هذا المجال أيضاً يفرّق عالم السياسة بيتر كاتزينستين بين مُصطلحين هامّين في السياسة، بين “قوّة الحضارة” وبين “القوّة في الحضارة”.

بالمختصر حول هذه النظريات، بإمكان أيّ دولة امتلاك قوّة عسكريّة، لكن هل تستطيع هذه الدولة التأثير والإقناع!؟..

الجواب سيكون في فهم المصطلح الثاني بأنّ قوّة الدولة بالتأثير سيكون عبر ماتمتلكه الدولة من قوى مرافقة للقوى العسكريّة مثل القوّة الاقتصاديّة والثقافيّة وما شابه، وبناء عليه، يكون استحواذ الدولة عبر قوّتها جواز سفر للاستحواذ على كافّة المفاصل، وهو ما أشار إليه أيضاً فوكوياما في كتابه الشهير “بناء الدول” بأنّه سيكون مُلازماً لقلّة الكفاءة وانتشار البيروقراطيّة والفساد.. داعياً في الوقت ذاته إلى الانتقال لنظام الخصخصة التي تعتمده الدول الليبراليّة، وغير ذلك سيؤدّي الأمر إلى الصدمة!

 

بالعودة لما لدينا، وبعد عقود كاملة من الفساد والترهّل في كافة مفاصل الدولة وإصرارها على المضيّ بهذه الطريقة إلى ماشاء الله، المنظر العام يُوحي بامتلاك الدولة للقوّة العسكريّة، وهذا أمر إيجابيّ، وكذلك الأمر بالنسبة للاستحواذ على كافة المفاصل على مختلف مؤسّساتها الاقتصاديّة أو الثقافيّة وغير ذلك إلى التحكّم بدبيب النمل، وهنا يكمن الأمر السلبيّ بأنّ جميع هذه المفاصل هي مؤسسات على الورق، وبأنّ الاستئثار والاستثمار والاحتكار هو لأشخاص وليس لمؤسّسات، فلا هو اقتصاد اشتراكيّ ولا حتى رأسماليّ ولا حتى تشاركيّ، ويُضاف للشقّ الاقتصادي ذات الترهّل والفساد في الحياة السياسيّة الحزبيّة، والتي تنطوي جميعها تحت رغبة الدولة ورأيها الحزبيّ الواحد الأحد.

فلا تعرف اليمين من اليسار إلّا بالاسم، ويختلط حابل الشيوعيّ بنابل الاشتراكيّ، مرافقاً لليبراليّ مع توافق الديني والعلماني، للانصهار جميعاً في بوتقة رأيّ حزبيّ واحد لا زال ينظر للقضيّة وفق المشروع القوميّ لا غير.

وعليه، وفي وسط هذه الأحداث المتسارعة والأخطار المُحيطة بوطننا من كلّ الاتجاهات ما أحوجنا إلى المشروع الوطنيّ السوريّ الذي يعتمد البناء وفق القوّة في الحضارة..

أمّا المضيّ على ذات الشاكلة فلن نطال بلح بلادنا ولا عنب أراضينا وستندثر حضارتنا، ألسنا أصحاب حضارة عمرها عشرة آلاف عامٍ وأكثر؟، فهل نعجز عن مشروع وطنيّ جامع؟.

الطريق إلى أيّ قضيّة يكون عبر بناء الإنسان أوّلاً ..

وشعب سوريا يستحقّ..

 

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى