رأي

  “ما بعد الحداثة”.. رأس المال وصناعة التاريخ .. يزيد جرجوس ..

 

هل بالفعل يسير زمن ما بعد الحداثة كما كان زمن الحداثة من قبله بصورة عفوية خالصة، أم أنه كما يبدو يتطور بطريقة مفتعلة تتخذ فيها تقنيات “صناعة الرأي والحدث والظاهرة” موضع حجر الرحى في طاحونة هذا العالم الذي نعيش فيه، ونسعى جاهدين لفهمه، وهل هناك من لا يكتفي بكتابة التاريخ ولكن يتجاوز ذلك إلى صناعته، صناعة تتعدى تخوم البناء لتصل حدود الهدم والتطويع، فتتحول معه صناعة التاريخ إلى حرفة تشويه واستثمار!!

عندما أنتجت الحضارة البشرية ما عرف بالحداثة، والحداثة مدرسة فكرية لها نظريات في كل الميادين الفكرية والفنية والإبداعية، وأيضا الاجتماعية والسياسية والبيروقراطية..الخ، حيث نضجت بصورة عامة مفاهيم وقيم “إنسانية” وعالمية عن الحرية والقيم الجامعة والفنون والأداب كلغات عالمية، كان أبرز ما أنتجته تلك المرحلة هو نموذج الدولة الحديثة، وهي وإن كانت إطاراً مفاهيمياً وقيمياً ما، ولكنها بالتأكيد عبرت عن نفسها بشكل دولة المؤسسات وأنظمة الحكم والعلوم الاجتماعية والسياسية وكل ما من شأنه تأطير هذه المرحلة والتعبير المادي والمعنوي عنها، كان في صلبها الثورة الصناعية التي تمركزت في الغرب لأسباب موضوعية ليست ضمن إطار البحث في هذا المقال، وكان لها دورها المحوري، حيث حملت ذلك الأثر الكبير على الحداثة لجهة مجموعة كبيرة من النواحي، ربما كان أبرزها انتاج الثروة وتمركزها في الغرب، إضافة لإنتاج القوة العسكرية التي استخدمت بشكل واضح لا يحتاج للبحث والتدليل في صناعة “الاستعمار التقليدي”، حيث قامت الدول الغربية متسلحة ومستخدمة لوسائل ومفاهيم “الحداثة” البيروقراطية والعلمية والعسكرية، باحتلال معظم دول العالم الآخر بالنسبة لها (الشرق والجنوب)، وزرعت بشكل مدروس بذور الغزو الفكري لصناعة المزيد من السيطرة ولتكريس ديمومتها.

وصف إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” تلك العملية التي كانت من أدوات ومفرزات الحداثة والاستعمار التقليدي بأنها “مبالغة في الاختلاف”، ثم عقَّب بمزيد من الإيضاح عندما حدد أحد أطر عملها “كأداة هيمنة سياسية قوية”.

يمكن أيضا التنبه لاستخدام القوة الاقتصادية عبر مبادرات مثل إنشاء “شركة الهند الشرقية” كنموذج لتكريس التبعية والاستغلال الاقتصادي، وحتى استخدام القوة العسكرية والفاعلية السياسية لرسم وتعديل رسم خرائط دول وممالك العالم كما حدث أيضا على حدود الهند وفي الخليج العربي وبلاد المشرق العربي التي قطَّعها مقص “سايكس بيكو”  إلى كيانات سعى الغرب لتكون وظيفية بالنسبة له، ولم تنتهِ تلك المشاريع بإنشاء “إسرائيل” ولا حتى بتقسيم السودان وغيرها هنا وهناك.

إذاً فالقوى السياسية لم توفر فرصة لاستخدام مفاهيم ومقدرات الحداثة لإنتاج “حداثة ما” تخصها هي، وتمنحها أسباب السيطرة والبقاء.

إذا انتقلنا للتأمل في فلسفة “ما بعد الحداثة” التي رسمت شكل العالم الغربي ابتداء من القرن الماضي، حيث جاءت كما كل فرضية جديدة في التاريخ وكما سابقتها “الحداثة” أولا كإرهاصات وتشكلات في وعي المفكرين والمبدعين وفي مختلف المجالات بمن فيهم المنظرون السياسيون والمهتمون بعلوم الاجتماع.

كانت هذه المخاضات المتزامنة والمتسايرة إلى حد كبير تعبيراً عن جدلية فكرية في النسق العام تسعى وتتوق لصياغة أنماط جديدة، ستقوم بولادة نموذج فكري عام له مواصفات ومرتكزات مشتركة كثيرة، لا تَجُبُّ بدورها الاختلافات البينية هنا وهناك. كل ذلك هو بالمبدأ ليس ضمن إطار التصنيف (خير/شر) فهو تطور طبيعي للحياة وفق جدلية هيغل (فرضية ونقيضها ينتجان فرضية جديدة، ويتكرر ذلك بشكل مستمر فتحل الجديدة مكان الفرضية وهكذا دواليك)، ولكنه مرحلة وحالة بشرية إنسانية تحمل الكثير من السلبيات والكثير أيضا من الإيجابيات كتعبير حقيقي عن حياة الإنسان، فسعيها لتغيير السائد والتقليدي واستبداله بما هو أكثر ديناميكية وتعبيرا عن الحاجات الإنسانية والواقع يبدو بالنسبة لي خيراً، بينما شغفها بتكسير العناوين الجامعة وهز القيم الكبرى بما في ذلك من تحطيم لفضاءات المدن والتجمعات السكانية المنتجة على رؤوس أهلها، يتراءى لي كشر وخطر يحتاج للمقاومة وإعادة التفكير.

ولكن المهم هنا في مسألة “مابعد الحداثة” أنه ما أن تلمسها صناع القرار في الغرب المسيطر إبان نشأتها، والمشارك الأكبر في صيرورتها في تلك العلاقة المتشابكة كالمعادلات الرياضية ثنائية الاتجاه والمعنى، بحيث ساهم الغرب في صناعتها بقدر ما ساهمت هي في صياغة شكل المجتمع ومؤسسات الحكم هناك، وعلى سبيل المثال أتت مرحلة “سلطة المجتمع المدني” ما بعد الحداثية كبديل عن مؤسسات الدولة التقليدية الحداثية، حتى بدأت عملية الاستخدام لهذه المرحلة بكل ما فيها من “قيم ومحددات” في الهجوم وإعادة إنتاج السيطرة على العالم (الشرق والجنوب).

لقد استخدمت مفاهيم “الحرية” و”الديمقراطية” بشكلهما السطحي في الممارسات التقنية، إضافة للإعلام والمفردات المرافقة له والتقنيات المنبثقة عنه وفي خدمته، ليس فقط في سبيل ضرب الدول والمجتمعات بشكل مباشر كما كان الحال في حقبة الاستعمار التقليدي إبان الحداثة، ولكن لضرب وتمزيق المفاهيم والجامعات من الأفكار مهما بدت عليا وسامية، حيث أمكن تحت عناوينها تمزيق بلد كالعراق بشكل كامل، وتلويث أرضه الأعرق حضاريا في العالم، باليورانيوم وهذه جريمة ستمتد آثارها لمليارات السنوات، بينما أصبح “العراقيون أحراراً يستطيعون أن يفعلوا ما يشاؤون” كما قال وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في إجابته على سؤال مؤلم لصحفي يستنكر مشهد بعض “العراقيين” وهم يقومون بنهب المتحف الوطني العراقي وتخريبه(2003). هكذا نستطيع أن نرى بوضوح كيف تم تجاوز صناعة التاريخ في “الحداثة” إلى محاولات دؤوبة لتدمير المستقبل في “مابعد الحداثة”، فمن الذي يقوم بذلك؟!

عندما تمتد يد الجدلية لدى “العلماء والمبدعين والمفكرين..” في محاولتها للتغيير إلى شواطئ رأس المال، وتبدأ أمواجها تضرب مصالحه فهو أيضاً “مفهوم وكتلة مسيطرة يجب كسرها”، فإن أصحابه هم أول من سيتحسس الخطر من جهة، والفرص من جهة أخرى، فالمتغيرات ما فتئت تشكل فرصاً سانحة لأشكال جديدة من الاستثمار، تماماً كما تشكل مخاطراً على السائد فيه.

إن سعي “ما بعد الحداثة” لضرب المفاهيم العليا والكبيرة الجامعة، كان ينطوي في داخله وبطبيعة  الحال على اتجاه لضرب الكتل الكبيرة لرأس المال واحتكاراته التي كانت هي نفسها نتاج استغلال أصحابه للثورة الصناعية ومبادئ الحداثة العالمية، فانطلق أرباب المال مجددا لالتقاط اللحظة التاريخية ولتفويت الفرص أمام العالم الساعي بعفوية للتغيير، عبر انتاج هذا التغيير واستخدامه أيضا.

رأس المال لا يعارض الأفكار الجديدة، ولكنه يستثمرها ويطيعها لأهدافه، فهو ليس جبانا تماما كما يقال عنه، ولكنه عبقري والأهم أنه قوي، وهو مدهش في معاييره المزدوجة، فدور الإعلام والصورة (المجتزأة بحكم التكوين) الذي تطور إلى الانترنت والتواصل والتواصل الفعال وصناعة الرأي والمحتوى، وبصورة منفلتة في ظاهرها قابلة للمشاركة من الجميع كما تبدو، بينما هي منضبطة وممسوكة وفق مرجعيات واحدة تمسك بالشبكة (المجال الحيوي لكل ذلك) وتتحكم بكل ما ينشر عليها، وتفرض المعادلات الرياضية التي توصل هذا المحتوى “المناسب”، وتحجب ذلك “غير المناسب”. إن كل ذلك مثبت لدرجة البساطة، ولكن أبشع وأوضح ما فيه أنه وعند تلمس الخطر الحقيقي لدى رأس المال الغربي، لا يكتفي بآلياته الضمنية المستترة، ولكن ينتقل إلى الممارسات القديمة والتي هي نفسها تُعاب على “أنظمة الحكم الديكتاتورية” في الشرق، فيلجأ الغرب إلى منع وحظر الإعلام الروسي مثلا، وإلى منع الرياضيين الروس من المشاركة في الأنشطة “الدولية” لا بل وحتى الأشخاص ذوي الإعاقة منهم في ضربة عظيمة لمنظومة “القيم الإنسانية الغربية” التي نادت “الحداثة” بها ثم أمعنت “مابعد الحداثة” في ذلك النداء. إن الأدب الروسي لم يسلم من الانتقام والحظر في هشاشة منقطعة النظير أبدتها المنظومة الفكرية والأخلاقية الغربية إزاء تعاملها مع خطر القوة الجيوسياسية الروسية الصينية، وهي تقترب من عرش رأس المال الغربي.

في الوقت الذي تشن الحروب على الدول والمجتمعات في الشرق والجنوب دعما لتمدد دور “المجتمع المدني” فيها، بصورته كعملية “تطور مابعد حداثية لا يمكن التغافل عنها”، تستخدم نفس الحروب في الغرب لفرض مزيد من القيود على المجتمع والقوى والأفراد بما فيها قوانين الطوارئ والتنصت والرقابة والمنع، حتى وصل الأمر في الولايات المتحدة إلى قانون “فعل المواطنة” الذي يسمح “بسحب الحقوق المدنية من المشتبه فيهم”، فالدولة الغربية تسعى لفرض نموذج رخو من الدولة في الشرق والجنوب بنفس الوقت الذي تسعى فيه هي إلى تعزيز دورها وسلطتها في الغرب، لا بل وفي بعض الشرق الموالي لها أو المحسوب ضمن معسكرها كما يحدث في السعودية وتركيا اليوم.

 

كاتب وباحث – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى