إضاءاتالعناوين الرئيسية

الهوية الموسيقية-1 .. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط …

 

عندما يقوم ملحن سوري من كبار الملحنين العرب، قضى ثلاثة أرباع عمره في مصر، بتلحين أغنيات كثيرة عن “مصر” ولم يفعل المثل لسوريا، فهذا لا يعني أبداً أنه نسي وطنه أو أنه ينكره! إطلاقاً … بل يعني عمق امتنانه للبلد التي احتضنته وأوصله شعبها لما وصل إليه من مجد.

وعندما يقوم ملحن مصري بتأليف مقطوعة موسيقية ويسميها “دمشق” ويضمنها إشارة من الفولكلور السوري (بيش الغوازي) فهذا لا يعني أنه مُتيَّمٌ بهوى دمشق وسوريا بقدر ما قد يعنيه أنه أراد الجمع بين دمشق والقاهرة بأعمال خاصة في عصر كان يروج لموضوع سياسي ما.

أما عندما يقوم محمد عبد الوهاب بتأليف مقطوعة موسيقية يسميها “ليالي لبنان” ويضمنها جملة فولكلورية (هيهات يابو الزلف)، فهو لم يتعمد التزلف للبنان، لأنه لو لم يلحنها لما انتقص من قدره لدى اللبنانيين مقدار ذرة. بل هو مجرد انفعال فطري نحو بلد قضى فيه عبد الوهاب أياماً جميلة دفعته إلى تلحين قصيدة تتغزل بمدينة “زحلة”.

الأمر ذاته ينطبق على محمد عبد الوهاب إذ لحن لسوريا “يجعلها عمار”، في زمن لم يعد لاسم مثل عبد الوهاب أن يتزلف لبلد ما، بل هو مجرد إحساس بالحماس اعتراه كما اعترى الملحن اللبناني “محمد سلمان” فلحن الخالدة “سوريا يا حبيبتي” وغناها، وكان العملان متأثرين بحرب تشرين.

أما عندما يقوم “تشايكوفسكي” بتأليف موسيقا (سيمفونية هندية) ففي هذه الحالة ينعدم دور المشاعر وتحل مكانه الرغبة في الاستعراض الثقافي ليس إلا. كذلك الأمر عندما لحن كورساكوف (أغنية من الهند).

أما الأمر المشترك بين كل ما سبق، فهو أن “هوية” كل تلك الأعمال تبقى محصورة تماماً بصاحبها. فمعزوفة “دمشق” ليست موسيقا سورية ولا مصرية، بل هي (أحمدفؤادحسنية) إن جاز التعبير. كما أن “ليالي لبنان” و”يجعلها عمار” هي موسيقا “محمدعبدالوهابية”، و”سوريا يا حبيبتي” هي “محمدسلمانية”، و(سيمفونية هندية) هي “تشايكوفسكية”.

يتم التعرف عالمياً على هوية موسيقية “افتراضية” من خلال أدواتها، فعندما نسمع صوت آلة الـ(سيتار) فإننا “نفترض” فوراً أن ما نسمعه هو موسيقا هندية، أو آلة الـ(كوتو) ف”نفترض” أن الموسيقا يابانية. أقول “افتراض” لسبب بسيط وهو التالي:
إذا لحن عبد الوهاب موسيقا لآلة الـ(غيتار) فهل ستكون الموسيقا إسبانية؟ فإذا لحن موسيقا لآلة الغيتار على قالب البولكا، فهل ستكون الموسيقا تشيكوسلوفاكية؟ … حسنا، هل يمكننا القول أن ما لحنه هو موسيقا مصرية؟ الإجابة في كل الحالات هي لا … ! الموسيقا هنا هي “محمدعبدالوهابية” وحسب! هذه رؤية محمد عبد الوهاب لفكرة موسيقية من خياله تم تنفيذها بآلة إسبانية وقالب تشيكي.

لا هوية جغرافية للموسيقا، هويتها حصرية بصاحبها فقط، هي رؤيته الخاصة مجسدة بأدوات موسيقة مختلفة. والموسيقا ليست مطبخاً ليقال أن المعكرونة إيطالية والهامبورغر أميريكي والمجدرة سورية.

*(ملحن وباحث موسيقي – سورية)
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى