عمليّة تهجين .. د.محمد عامر المارديني

عمليّة تهجين ..
تسبّبَ جرّاحٌ بارز في مشفىً جامعيٍّ في إثارة ضجّة عارمة لدى الأوساط الطّبّيّة حين قام بزرع دماغِ حمار داخلَ جمجمةِ رجلٍ كان قد استؤصل منه معظمُ دماغه إثرَ إصابتِه بورم خبيثٍ، ممّا أثارَ ردودَ فعل شديدةً كان معظمُها مشحوناً بالنّقد اللاذعِ لذلك الجرّاح لعدم التزامِه بأخلاقيّات المهنةِ ومحاولتِه وضعَ عقولِ الحمير في أجسام البشر.
وبعدَ انقضاء مدّةِ شهر على عمليّته الجراحيّة المعقّدة عقد الجرّاحُ مؤتمراً صِحافيّاً ضخماً تحدّثَ فيه عن استقرار الوضع الصحيّ للمريض الهجين وإمكانية مغادرته المشفى على أن يبقى تحت المراقبةِ لمدّة سنةٍ على الأقلّ بهدفِ تدوين جميعِ الملاحظات التي يمكن أن تظهرَ عليه بعد تخريجِه من المشفى، ودراستِها وتحليلِها للتأكُّدِ من استقرار صحّة المتلقّي وبالفعل لم يتركِ الفريقُ البحثيّ صغيرةً ولا كبيرةً في تفاصيل وضعِ المخلوق الهجين إلّا أحصاها، ونشرَ مقالاتٍ عديدةً عن ذلك كلِّه في المجلّات العلميّة الرَّصينَة. ولدى تحليل المعطياتِ تبيّنَ للفريقِ وجودُ فرطٍ في مستوى ذكاء ذلك المخلوق الهجين، أمّا سمعُه فقد تحسَّنَ كثيراً بعد أن نما صيوانا أذنيه قليلاً فتراه الآن يلتقطُ أحاديثَ النّاس على بُعدِ عشراتِ الأمتار منه، كما ازداد حبُّه للتعلّمِ فاتّسَعَت ثقافتُه، وصار أشدَّ عناداً ،وأصبح من الصّعبِ تخويفُه.
وبعد أن انتهت المَهمَّةُ تُرِكَ ذلك الهجينُ يعيشُ كما يشاءُ حيثُ ذاعَ صيتُه وأحبَّه النّاسُ كثيراً وصاروا يدعونَه إلى مجالسِهم ويلتقطون معه الصّورَ التذكاريّة. أمّا زوجتُه فقد ابتهجت به أيّما ابتهاجٍ بعدما اكتشفت أنّ كلّ شيءٍ فيه قد كبُرَ حجمُهُ ونما، كما سُرَّ به مقدّمو البرامجِ التلفزيونيّةِ والإذاعيّة بعدما وجدوه حالةً متفرِّدةً في تاريخ الإنسانيّة والحيوانيّة جمعاء، فأصبحوا يستضيفونه في برامج “التوك شو”، للحديثِ عن تجرِبتِه الشخصيّة من بعد عمليّة الزّرعِ إلى أن وصل بهم الحالُ إلى دعوته لتحليلِ الأحداثِ العالميّة في السياسةِ والاقتصاد وشؤونِ المجتمعِ ، وحتّى في الرِّياضةِ والفنّ!
وذات مرّةٍ قرّر تلبيةَ دعوةِ مجموعة من كبار الحمير لترؤس ورشة عمل حول نجاعة عمليتي الحيونة والأنسنة ، إلّا أنّ دعوتَهم لم تكن سوى كمينٍ للإيقاعِ به بعد أن عَدُّوه مخلوقاً غريباً دخيلاً على جِنْسِهم، يدَّعي الدِّرايةَ والفهمَ والمعرفةَ، وفي ذلك انحيازٌ صارخٌ إلى بني البشر يسيءُ إلى سُمعتِهم ! وفورَ وصولِه راح يخطُبُ فيهم ويحرِّضُهم على ضرورة نشر ثقافة الحمرنة بين البشر عبر وسائل الإعلامِ ومنصَّات التّواصل الاجتماعيّ، داعياً إياهم ألا يتوانوا عن النهيق عالياً للتعبير عن آرائهم بكل حرية. وما إن انتهى ذلك الهجين من خطابه الحماسيِّ حتى اجتمع حوله أبناءُ دماغِه يهِشُّونهُ بأذيالهم ثم أحاطوه بأجسامِهم القوية ورفَسوه رفسةَ حمارٍ واحدٍ فقضَوا عليه !
.
*أديب وكاتب .. وزير التعليم العالي السابق– سوريا
لمتابعتنا على فيسبوك: https://www.facebook.com/alwasatmidlinenews/



