إضاءاتالعناوين الرئيسية

طـرفـة حـمـاتـي .. د.محمد عامر المارديني ..

|| Midline-news || – الوسط …

.

كم أحببت، وما زلت أحب لعبة كرة القدم، كنت قد مارست هذه الرياضة الرائعة منذ زمن بعيد، وما زلت أمارسها بين حين وآخر مع فريق من كبار السن ممن سبق لهم أن احترفوا كرة القدم، كما أنني أتابع دائماً أهم دوريات الكرة العالمية تلفزيونياً، بكل شغف، وخاصة مباريات فريقي المفضل ريال مدريد. ولعل معظم أقاربي وأصدقائي يعرفون عني شغفي الشديد بكرة القدم، فمنهم استنكر عليّ ذلك الشغف معتبراً إياه مضيعة للوقت، والقسم الآخر آزرني، لا بل كان يواسيني أيضاً عند الخسارة، ويهنئني عند ربح فريقي المفضل ، أو يكتب لي داعماً رسالة قصيرة مليئة بالمباركات.

إنما هناك أيضاً من يشمت بي عند الخسارة “واتسأبياً أو فيسبوكياً”، سواء بعد المباراة مباشرة، أو في اليوم التالي لها، مرفقاً رسائله برسومات ذات إيحاءات ثقيلة الدم بهدف إغاظتي وهزّ بدني، أو بكتابة تعليقات ورمي نكات مبتذلة في بعض الأحيان، التي تصل أحياناً إلى بعض التجريح، وكأنني من يدرّب هذا الفريق، أو ربما من يدير أعماله. أما الطامّة الكبرى فهي عندما يفوز على فريقي فريق برشلونة، ذلك العدو اللدود، فإن التعليقات ستدوم لعدة أيام، لا بل لأسابيع، أصاب إثرها باكتئاب حاد، أحاول جاهداً ألا أظهره أبداً على الشامتين بي، مكتفياً بعرض كآبتي هذه فقط على زوجتي- كالعادة – التي طالما اعتادت مني مثل هذا النوع من المزاج، سواء عند خسارة الفريق الذي أشجّع، أو حتى من دون ذلك. لكن المشكلة تكمن في أن لا أحد من معارفي وأصدقائي، من محبي الكرة أمثالي، يصدق مشاعري تجاه الفرق الأخرى، فبالرغم من حزني عندما يخسر فريقي مباراة ما، لكنني مع ذلك أحترم في قرارة نفسي اللعب الجميل، أيّما كان الفريق الذي يلعب معه ريال مدريد، حتى لو كان فريق برشلونة.

كانت حماستي هذه تزداد يوماً بعد يوم، فقمت لأجل ذلك بالاشتراك في معظم القنوات الرياضية المشفّرة التي تعرض أهم الدوريات الأوربية والمباريات العالمية، منفقاً لأجل ذلك مبالغ سنوية طائلة لئلا تفوتني أية مبارة مهمة، وبشكل خاص مباريات “الكلاسيكو” وفريقي المفضل ريال مدريد. وبعد تفكير عميق رأيت أن معظم حبي لكرة القدم العالمية ينبع من استمتاعي وإعجابي بروعة العقل الجماعي الذي يسيّر مجموعة من اللاعبين للوصول إلى الهدف. فالمدرب لديه أحد عشر لاعباً، يوكل إلى كل منهم مهمة واضحة ودقيقة لا يتخطاها أبداً، فترى المجموع يشكل لوحة جميلة رائعة مصنوعة من قطع الفسيفساء، كل قطعة يجب أن توضع في محلِّها، فإن لم تكن في موقعها فإن اللوحة لابد أن تكون مشوّهة.

حاولت مرة المقاربة بين وضع الكرة العالمية مع الكرة المحلية فسألت في حديث جانبي صديقاً من اللاعبين المخضرمين، الذين صالوا وجالوا في ميادين كرة القدم المحلية، والذي يعمل حالياً محللاً رياضياً في إحدى القنوات الرياضية العربية، قلت له بعد ترحيب حار ممزوج بعناق: “دخلك شو أخبار منتخبنا الوطني؟، يا ترى في أمل ينافس على شي بطاقة تأهل لكأس العالم؟، ولو ع الملْحق؟”. قال لي مبتسماً: “والله أتمنّى من كل قلبي، بس الحقيقة الموضوع صعب كتير”. قلت له: “طيب شو السبب؟”. قال لي متأففاً: “شو بّدي قول لقول، إذا بدّك الحقيقة نحن ما عندنا منتخب وطني بالمعنى الصحيح للكلمة، أو على الأقل منتخب مثل يلّي بتشوفه ببلاد برّا، مثل المنتخب الألماني ولّا الاسباني أو البرازيلي، ولا حتى منتخب مثل الياباني أو الكوري أو الإيراني، والقائمة تطول وتطول. نحْن عندنا شي بيشبه هل المنتخبات، بيشبهها بالاسم بس، أي نعم، بس بالاسم، وفيك تقيس على هالشي يلّي بدك ياه”. قلت له: “والله ما فهمْت عليك شي، فهّمْني شو القصة”. قال لي بعد أن عدل قليلاً في جلسته : “شوف لقلك يا صديقي، كرة القدم صارت عند العالم صناعة، نعم صناعة، ومشان تنجح لازم يتدخّل فيها أمور كتيرة، صحيح إنّه الموهبة شغلة أساسية، بس كمان فيها علم، وثقافة الناس، وتاريخ اللعبة بالبلد، كلْهن إلهم نفس الأهمية، كمان فيها شغلات إلها علاقة بالتنظيم والتخطيط والإدارة، وبالتلفزيون والراديو والجرايد والنت، وبالفن وبالأواعي وبالأكل وبالطب، وشو بدي أعدّلك لعدّلّك، كل هالشغلات بتشْتغل لخدمة اللعبة، ولتجيب الانتصارات بالمباريات. أما عندنا فيا حسرتي، بتلاقي أسماء بس، أما الأفعال فما في شي منها على الإطلاق، يعني نحن صحيح في عندنا فطْبول ومنتخب وطني، وعندنا كمان مدربين ولعّيبة وأواعي وبيجامات رياضية موحّدة، وملاعب وطابات وحكام، وعندنا إذا بدّك أطباء ومعالجين فيزيائيين وسيارات إسعاف، وكمان بتلاقي عندنا جماهير وروابط مشجعين وتلفزيونات وجرايد وراديوهات ومواقع نت ومعلقين رياضيين، بس الحقيقة التشابه مع يلّي برّا هو بالأسم بس، يعني باختصار نحنا ما عندنا فطبول حقيقي مثل يلّي عند العالم، في عندنا شي بيشبهه، ما حأحكي أكتر من هيك حتى ما صيبك باكتئاب”. ثم أردف يقول: “بس يلّي بيعزّينا نحن الرياضيين أنّو كل شي بهل بلد صاير وضعه مثل الرياضة، كلّه ملحّق بعْضه، كلّه بيشبه يلّي عند العالم بالاسم بس، مثلاً نحنا في عندنا مدارس، مو هيك؟”.
هزّيت برأسي موافقاً، قال: “بس مو مثل مدارسهم، ونفس الشي، في عندنا جامعات ومطاعم ومستشفيات وأوتيلات وجرايد وبضايع وسواق، كمان منفكر نحنا أنّه عندنا نظام سير، بس أبداً مو مثل يلّي بتشوفه عندهم، وهيك كمان الجمارك والاتصالات والمعارض وغيرها وغيراتها، الشبه الله وكيلك بالاسم بس”. قلت له متحسّراً: “طيب في أمل يتحسَّن الوضع عندنا ؟، أقصد يتحسَّن وضع منتخبنا ؟ قال لي مشككاً: “شوف لقلّك، ما بتعرف، بيجوز يتحسَّن الوضع على غفلة، ونربح المباريات يلّي جايه، بس إذا صار فبيكون رحمة من عند الله، يعني مثلاً إذا وصلْ منتخبنا لكأس العالم بيكون هالشّي بركات من عند الله، وأكيد مو شغل من عبد الله، لأنّو عبد الله عندنا مو فاضي، كان عم يشتغل بعبد الله يلّي كان قبله، وهلق عم يشتغل بعبد الله يلّي احتمال أنّو يجي بعده، هيك صايرة ثقافتنا للأسف، منشْتغل ببعضنا عواض ما نشْتغل لبعضنا. مثلاً : منعيِّن مدرب جديد للمنتخب الوطني، بيخسر منتخبنا شي مباراة، بيطيروه فوراً، والسبب مشان ما حدا يقرّب ع الناس يلّي قاعدين فوق على كراسيهم بالاتحاد، هدول يلّي بيحاولوا يورْجو الناس أنّه المشكلة هي مو فيهم، المشكلة هي بالمدرب وحده، وهو المسؤول المباشر عن الخسارة، والحقيقة كلنا منعرف أنّو المشكلة نادراً ما بتكون بالمدرب، المشكلة هي بيلّي عم يخطط ويشيل ناس ويحطْ ناس، ومثل ما بيقولوا، الفشل يا حسرتي يتيم، بس النجاح له مئة أب وأب، إلا اللّهم إذا صار شي مرة وربحنا بالصدفة”. وقبل أن يودعني ذلك الصديق الخبير قال لي: “في قصة حابب أحكيلك ياها، أكيد أنت سمعان فيها، بس لازم ذكرك فيها ما دام عم نحكي عن المدربين، وكيف بيتعاملوا برّا، وكيف بيتعاملوا هون. ما في يمكن حدا بعالم كرة القدم ما بيعرف المدرب السابق لفريق ريال مدريد جوزيه مورينيو، يلّي كانوا يسمونه (سبيشال ون) باعتباره مدرب استثنائي، وكمان ما في حدا ما بيعرف أيقونة اسبانيا حارس مرمى فريق ريال مدريد اللاعب السابق إيكر كاسياس. والقصة بالمختصر كانت كيف منع المدرب مورينو كاسياس من حراسة مرمى الفريق، واستبدله بحارس مرمى تاني لآخر الدوري، قرأت شو قال مورينو بالصحافة الرياضية بوقتها لما سألوه عن الموضوع، قال أنا ما بسمح ينزل ع الملعب إلا اللعيبة الجاهزين بدنياً، أما يلّي مالهم جاهزين فلازم يتدربوا بصالة الحديد لفترة بيقررها طبيب الفريق، هيك لحتى يصيروا جاهزين ويتدربوا بعدها مع رفقاتهن بالملعب، وبعدين بقرر أنا إذا كان لازم ينزلوا ليلعبوا أو لسّا مالهم جاهزين. كاسياس كان عنده إصابة عضلية، وكان مالو لسّا جاهز بدنياً ليلعب، قرر الطبيب أنّو ينزل على صالة الحديد حتى ترجع عضلاته تقوى. رفض كاسياس ينزل ع الصّالة، باعتبار تمارين الحديد متعبة ومملّة، وصار يقول أنو هو بيعرف حاله أنّو صار جاهز لينزل على تمارين الملعب، ولما منعْته ينزل ع التمرين مع رفقاته، صرت شوفو عم يتفتّل برات النادي، كمان راح سافر كم يوم من دون ما يخبرني وياخد إذني. هي قصة عم احكيلك ياها حتى تعرف كيف الأمور بتمشي بشكل مؤسساتي، هنيك كل واحد بيعرف شغلته، وما حدا بيتدخل بحدا، وأنت أكتر واحد بيعرف شو يعني توقيف لاعب عن اللعب، لاعب مثل كاسياس سعره ملايين الدولارات، وما في نادي إلا كان بدّو ياه، وعشّاقه بأسبانيا وبكل العالم مالهم حدود، بس صلاحيات المدرب ما حدا بيتعدى عليها، ولابد من احترام الأدوار، حتى الطبيب هو صاحب القرار الوحيد بجاهزية بدن اللعب، بينما المدرب هو صاحب القرار الأوحد بتنزيل اللاعب ع الملعب، وإذا بدّك بحكيلك قصص كتيرة مثل هالقصة وأغرب منها كمان”.

وفي إحدى السهرات وأثناء متابعتي لإحدى المباريات العالمية إذ بوالدة زوجتي(حماتي) تقوم بزيارتنا،وأخذت تراقب عن كثب اندفاعي اللامتناهي مع كل هدف أو ركلة أو تسلل كروي أو ضربة جزاء، فحاولت التخفيف من شد أعصابي وتهدئة تشنجي وتفاعلي الهائل مع كل ثانية من زمن المباراة، فالتفتت إلي قائلة: “عمورة، دخْلك كم واحد في بالملعب؟ قلت لها من دون أن أنظر إلى وجهها، وبنبرة المغتاظ من توقيت سؤالها الذي أثر نوعاً ما على تركيزي في المشاهدة: “تقصدي كم لاعب بالملعب، ولّا عدد المتفرجين؟”. ضحكت حماتي ثم استدركت ضحكتها بالقول: “طبعاً قصدي اللعّيبة”. قلت لها: “تنين وعشرين لاعب”. قالت: “طيب، وكم طابة في بالملعب “. قلت لها مسرعاً بهدف إنهاء الحوار:”طابة وحدة”. قالت:”طيب، وليش عم يتقاتلوا كل هاللعّيبة ويركضوا على طابة وحدة؟، ليش ما بيعطوا لكل واحد طابة وبيخلصوا من هالقصة، والله انشغل بالي عليك، وعلى قد مالك معصّب وأنت عم تشوف هل مباراة، روحي يا بنتي الله يعينك على هل مشاهدة”. أدرت وجهي إليها، ثم ابتسمت في وجهها ابتسامة صفراء امتعاضاً من هذه الطرفة السمجة التي كان فيها شيء من الإهانة لعملية مشاهدتي للمباراة، وما تحتويه من إمتاع لي، ما استدعى زوجتي لترمقني بنظرة غريبة تعبيراً عن استنكارها لنبرة صوتي الاحتجاجية في الحديث مع أمها.

وما إن انتهت المباراة حتى جلست أفكر في ما قالته حماتي، وتذكرت بالوقت نفسه حديث صديقي الرياضي المخضرم، فاكتشفت أن حماتي كان معها كل الحق، لقد كانت تعرف الحقيقة أكثر مني. صحيح أن طرفتها لم تكن في المكان والزمان المناسبين، لكنها كانت طرفة تحكي ذلك الواقع المؤلم الذي نعيشه. فلا عقل جماعياً لنا، ولكل منا كرته يلعب بها…. رحمة الله عليك يا حماتي أم نوار.
.

*أديب وكاتب .. وزير التعليم العالي السابق- سورية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى