رأي

كله عند العرب موت!؟ .. د. نهلة عيسى ..  

اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة أمس, من قبل قوات الاحتلال الصهيوني, أمام كاميرات التلفزيون في بث مباشر, وردود الأفعال العربية الرسمية الباهتة عليه, أمر لم يعد جديداً علينا, نحن الذين اكتوينا منذ وعينا بنار النفاق, والاستخدام السياسي للقضية الفلسطينية, التي شكلت بحضورها الشامل والدائم, دور المصمّم الأهم للهُويّة العربية, وللواقع القومي السياسيّ والاجتماعيّ, والثقافيّ على امتداد أكثر من  سبعين عاماً، بل تحولت إلى “مانح” الشرعّية المركزيّ للسلطات الوطنية في البلدان العربية، أُجبِرَ “القوميّ”, وَ “الدينيّ” و “اليساري” على تقديم (وإعادة تقديم) أنفسهم للجماهير من منظورها, مع إعادة استحضار لمكونات ومشتركات تاريخية وجغرافية وثقافية وتشغيلها في إنتاج “هوية وطنية”, طابعها الرئيس “مقاومة الصهيونية”.

وهكذا .. فإن “المقاومة” اشتغلت عملياً على إعادة صوغ تصور الجماعة الوطنية عن نفسها وأصبحت الآلية الأهم في تشكل الهوية الجمعية, وفي منح الشرعية أو حجبها عن الأفكار والممارسات التي تنشأ تحت الحكم الكولونيالي, كما أصبحت أهم معايير التأثيم الفردي والجماعي, وشرعنة الفعل النظري والعملي: السياسي، والديني، والاقتصادي، والفني، والثقافي …الخ, والحجة الرئيس في عدم الإجابة عن الاسئلة الأهم في بناء الدولة, وأيضاً في تجاهل تجسير مقومات بناء التعاقدات الوطنية, والتي ترتكز بشكل أساسي إلى مفاهيم المساواة, والعدالة, والمشاركة, والتي بدت في بعض الأحيان، فيما لو طرحت، وكأنها نقيض الوطنية!، وهو أمر حَجبَ وغيَّبَ مرحلياً (كما أشرت سابقاً) التناقضات الوطنية في الوطن, وأسس لهوية رخوة ارتبطت بعامل متغير, هو صيرورة الصراع العربي الاسرائيلي في الحقب المتلاحقة.

الصراع العربي الاسرائيلي أنتقل من مركزية المقاومة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي, إلى السجال حولها، بداية من “كامب ديفيد”, مروراً بمدريد, ثم “أوسلو”, مما أدخل الواقع العربي برمته في وضع غامض وخطر, ومكمن الخطر تمثل في الوقوف في منتصف الطريق حيث أخُرج فعل “المقاومة” من المعركة ضد المستعمر قبل إنهاء مهمته الطبيعية وهي التحرر والاستقلال، وبرز مشروع “الحل السلمي” كبديل عند الفصائل الوطنية الفلسطينية والكثير من الدول العربية،

وبذلك لم تعد المقاومة هي المشروع الناظم والجامع الأهم للفاعلية والهوية الوطنية العربية (رغم الدور الذي قام به حزب الله في الحفاظ على جذوة المقاومة متقدة), مما مهَّد لتكشف الرؤى الخلافية واصطدامها ببعضها البعض, وظهور بوادر هويات فرعية, تناقض القوميات، ناجمة في بعض جوانبها عن مصالح سياسية, وتمايزات ثقافية, وصراعات أيديولوجية، إضافة لما تتعرض له من ضغط نتيجة تقاطع وتناقض مصالح إقليمية ودولية فيها, غاب فيها شعار الوطن كسقف جامع!؟ وحل محله شعار “النجاة بالكراسي والعروش” سقفاً جامعاً لأصحاب العروش والكراسي!؟.

وربما ما قاله الدكتور محمد عابد الجابري: “أن موضوع الهوية القومية العربية شديد الحساسية والدقة، لأنه تتداخل عند تناوله عدة عوامل، المعرفي بالسياسي بالمصلحي، والذاتي بالموضوعي، مع طغيان البعد الأيديولوجي، لأنه غالباً ما نجد إصراراً من قبل بعض النخب على إلحاق الثقافي والفكري بالسياسي، فيترتب تبعاً لذلك أن يصبح الفكري في خدمة السياسي، وحينها تصير الهوية الثقافية تابعة للهوية السياسية, وبالتالي أداة طيعة للتوظيف السياسي كلما ظهرت الحاجة ودعت الضرورة لذلك، الأمر الذي يجعل الهوية ترتدي لبوس السياسة عنوة وتصبح مِعوَل تفرقة، بدل أن تبقى عاملاً للوحدة والاتحاد، مما يؤدي إلى تهميش الهوية وتحميلها أوزار الفعل السياسي، وبالتالي النظر إليها على اعتبار أنها سبب الأزمة عوضاً عن النظر على أنها إحدى نتائجها”، يفسر إلى حد كبير جملة الموقف العربي الشعبي قبل الرسمي البارد, ليس فقط تجاه اغتيال شيرين أبو عاقلة, بل تجاه كل القضايا العربية التي غالباً ما يكون الكيان الصهيوني طرفاً وعاملاً مؤثراً فيها, وذلك لأن ادعاء تسيد “القضية الفلسطينية” قمة الفعل السياسي الوطني, ومعيار التقييم الفردي والجماعي, صرفت الطاقة وحولت الانتباه عن قضايا وطنية شديدة الأهمية, مما سمح للأيديولوجي بالهيمنة, وهي هيمنة دمجت (بوعي أو دون وعي) الهوية بالولاء للمجموعة الحاكمة, مما جعل الدولة تعني نوعاً خاصاً من الترابط الشرطي، أي ملكية السلطة والقوة داخل مجموعة واحدة، لفترة زمنية طويلة, وهو أمر شكل عاملاً رئيس من عوامل اليأس الوطني والقومي, ودفع بالشعوب العربية مكرهة للتعامل مع كل ما يحدث في منطقتنا بمنطق المثل القائل: الموت حق, وحوالينا ولا علينا!!.

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى