الديك الفصيحالعناوين الرئيسية

“سوريوود” .. الرجال تبكي وهي نائمة .. غسان أديب المعلم ..

 

يقتصر “الآكشن” في عموم أفلام “هوليوود” و “بوليوود” وغيرهما من صنّاع الأفلام في أغلب الأحيان على بطلٍ أو مجموعة أبطال، تواجه العصابات الشريرة، أو حتى مجموعة من تجّار المخدّرات واللصوص، أو مجموعة فاسدة من المسؤولين في بلدٍ ما، وقد يكون “الآكشن” مع فتوّة بعض الثائرين لإحداث إنقلابٍ أو إشعال حربٍ أوتحقيق ثورة.

ودائماً ما يعصف الأشرار فتكاً وضرباً بالبطل أو الأبطال طوال مدّة الفلم، ويتعرّض الكومبارس المساكين للسحل والرمي في الشوارع وقرب حاويات القمامة، في حين أنّ البطل يكون قادراً على تجاوز الصدمات وتحمّل الآلام حتى النهاية، مع مناوشة هنا ومعركة هناك، بيد أنّ صنّاع الأفلام لا يرسمون الحركة على مدار الوقت، رغم أنّه في أقصى حالاته لن تتجاوز مدّة الفيلم لساعات قصيرة، فلابدّ من قُبلة لبطل الفيلم مع عشيقته، أو حتى بعض الراحة من قبل البطل لشرح ظروفه وإيصال رسالته، أو على الأقل وقتاً قصيراً يرسم فيه البطل خطّته مع أصدقائه، حتى ينتصر الخير البطل على الشرّ في نهاية المطاف.

أمّا فيلمنا اليوميّ مع هذه السلطة، فلا يشابه فيلماً، ولا تستطيع مدن الصناعة كتابة سيناريو مشابه.

فـ”الآكشن” بلا حدود، وتجاوزت مدّته العقود، تشيب له الولدان، ويذهلن المرضعات فيه عمّا أرضعن، فلا مجال للراحة أبداً، ولا حتى السماح بقُبلة، فالأبطال البعيدين عن الخير هم السلطة، والأشرار هم السلطة، والكاتب هو السلطة مع المنتج والمصوّر وحتى الناقد من السلطة، والرسالة هي رسالة السلطة، والبداية والنهاية ومحور أحداث الفيلم واليوم والأسبوع والزمان والمكان والكون، هي السلطة، والرابح دوماً بالأحداث وحتى في تحصيل عائدات شبابيك التذاكر هي السلطة.

أمّا الشعب المسكين، ورغم أنّه الغالبيّة الساحقة، والثقل و محور الصراع، فقد ألبسوه ثوب الكومبارس، وبدأ -الأبطال والأشرار- به ضرباً ولطماً وسحلاً وسحقاً دون هوادة أو رحمة في المعارك.

فكلّ القرارات ومهما تبدّلت أسماء وعناوين وبرامج المزرعة المافيويّة، تأتي نتائجها كارثة على رأس الكومبارس، أمّا الراحة، ولو حصلت طرداً للملل في المتابعة، فتقتصر على حفلات التحايا من الكومبارس للأبطال، والتصفيق لهم، وتجديد الولاء والثقة والمبايعات لأصحاب السعادة، بل واصطناع الآمال والأحلام رغماً عن أوضاعهم المُهينة، مع التصديق والإيمان بأنّ أبطالهم هم الأقوى والأعلى على سطح هذا الكوكب الملئ بالأشرار، والذين يحاصرون أبطالنا الميامين المغاوير، والذين -أي أبطالنا- انتصروا عليهم ومازالوا ينتصرون، وسينتصرون أكثر رغم هزيمة الأعداء وجرّ ذيول الخيبات من المعارك المتتالية، حتى أنهم سينتصرون عليهم أيضاً يوم الحساب، ولو تدخّلت الآلهة لرأب الصدع وإعطاء فرصة للتسامح والغفران بعد نيل العقاب، فأبطالنا لن يرضخوا لذلك، وسُتعاد الدنيا وأحداث الفيلم مرة جديدة، فالمتابعة تستحقّ لفيلم لا شبيه له من قريب أو بعيد.

كنّا بالكهرباء، أصبحنا مع مشكلة الماء، مع الغلاء، مع الغباء والاستغباء، مع كلّ لحظة نكبة ونكسة جديدة عبر قرار جديد، أو تصريح وقح، أو محاولة تمييع جديدة لقصّة ما.

الحياة لم تعد حياة .. فعناصر عصابة -الأبطال والأشرار- تُمعن في تلميع القضايا تارةً، وتوغل بمن يرفع رأسه أنيناً من الكومبارس بأنّه لايفقه شيئاً عن أحداث المعركة الدائرة تارةً أخرى، وربّما يتمّ تصنيفه من الأعداء، وبين فصول هذا “الآكشن” اليومي، وفي وقت يظّن البعض أنّه وقتاً للراحة ترقّباً لنتائج معركة ما، تخرج الأبواق لاستحداث ثرثرة جديدة وجدال للإلهاء مع الاستفزاز، بينما يلهث الكومبارس لتأمين ذرّات الفتات للبقاء على قيود الحياة للاستمرار في المعركة.

أيّ فيلمٍ هذا الذي لا تنتهي أحداثه المُتشابهة الوقحة؟.

أيّ فيلمٍ هذا الذي يبقى الشرّ فيه منتصراً زاحفاً بمعركةٍ إثر معركة دون توقّف؟.

وأيّ خوفٍ هذا الذي زرعه كاتب الفيلم بالاتفاق مع الصانع في أفئدة الكومبارس على أكثريّتهم؟.

هو صناعة مدرسة اسمها “سوريوود”، ولا تملك في رصيدها سوى هذا الفيلم.

نحن -الأبطال الحقيقيّون- ونحن، وإن ظهر لكم أنّنا كومبارس، قد ارتضينا هذه اللوحة لأجل وطننا وجغرافيّته وتاريخه وانتمائنا وولائنا له.

ونحن، وإذ تحمّلنا مالايتحمّله شعبٌ في هذه الدنيا، ماصمدنا إلّا عشقاً لتراب وطننا ووفاءً لمن روّاه بدمه.

ونحن، ولو اعتقدتم في عقولكم العفنة بأنّكم أبطال في الحقيقة وفي عيوننا، فالحقيقة أنكم في نظرنا في الدرك الاسفل، وأشرار الفيلم الذي لابدّ من نهايةٍ له وأنتم في حاويات القمامة وبعدها في الجحيم.

وصدقاً، ما تحمّلناه كـ “كومبارس” في أحداث هذا الفيلم سيوجّب علينا حتى في يوم الحساب، أن نعيد أحداثه مرّات ومرّات حتّى يشفى الغليل.

الأبطال تبكي وهي نائمة يا أشباه الرجال..

 

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى