العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

سهيلة العجي: أختصر في ابني كل الشهداء وسأظل كاتبة حتى الموت

أدوّن بشكل يومي، وسأجمع نصوصي في كتاب قادم

|| Midline-news || – الوسط
روعة 
يونس
.

في أهم حوار أجريته، بل سأقول: أجمل وأنبل حوار، فشلتُ.
فشلتُ في أن أُظهر مهنيتي كصحافية، وإخفاء مشاعري وعواطفي، وأحياناً دموعي.
إنها يا سادة مهمة صعبة، أن تحاور كاتبة قدّمت ليس فقط رواية عن ابن شهيد، بل قدّمته هو نفسه شهيداً على مذبح الوطن.
هي سهيلة العجي.. الكاتبة الجميلة المتماسكة الصبورة، أم بنيان- الضابط السوري الشجاع، أحد أبطال “حامية مشفى الكندي”. التي قدمت خلال السنوات الأخيرة كتابين عن الشهادة والشهداء. الأول حمل مجموعة رسائل ونصوص وجدانية ووطنية إلى ابنها. والثاني روت فيه كيف ارتقى الشهداء، بلغة إنسانية واثقة حارقة في آن معاً.
في الحوار معها، نكتشف أهم ما في رحلتها ككاتبة. أنها لو لم تكن أم شهيد، ما كانت لتكتب! فالشهادة دافعها وحافزها.. وستظل تكتب وتكتب وترى في النجوم مجد الشهداء.
.

.

“حامية الكندي”
حدثينا يا “أم الشهيد” عن ظروف كتابتك للرواية الأولى، فنحن أمام حالة فريدة، إذ ألهمتك شهادة ابنك المهندس النقيب بنيان ونوس، أحد أبطال حامية مشفى الكندي بحلب، الكتابة والتدوين؟

صحيح.. ألهمني استشهاد بنيان أن أكتب وأسجّل شهادتي كي تكون حاضرة أمام أبناء شعبه.. وحقيقة في اليوم الثاني لتفجير مشفى الكندي ووقوع بنيان في الأسر بيد الإرهابيين. استأذنت من الموجودين في البيت، ودخلت إلى غرفة نومي لأخرج مابداخلي من مشاعر قلق وألم وحزن وتساؤلات. تناولت ورقة وقلم، وكانت حروفي تسابق دمع عيوني، وأول عبارة كتبتها “أغار منك مشفى الكندي فأنت حبيبة أبناء الوطن”.

نرغب معرفة القليل عن دراستك وميلك للكتابة، قبل أن تصدري روايتك! وهل سبقها كتاب ما، لم يصلنا؟

أحمل الشهادة الثانوية العامة، وأميل للمطالعة وقراءة كل جديد. كنت أحلم بمدينة فاضلة على طريقة “أفلاطون” على الأرض. وفي البداية كتبت أول كتاب بعنوان “رسائل إلى بنيان” صدر عن الإدارة السياسية..كان عبارة عن رسائل حب وشوق وألم وانتظار عودة بنيان.
والحقيقة.. أنا لم أشاهد فيديو الإعدام، ولم أرغب بذلك كي لا أنقص من عظمة الشهادة. خشيت أن أضعف! لكن  قررت دخول عالم “التواصل الاجتماعي” بناء على رغبة بنيان قبل الاستشهاد. أراد أن يأتي العالم إلى عندي من خلال وسائل التواصل، كما لو أنه كان يستشعر شيئاً ما، دفعني إلى عالم الفيسبوك دون أن يدري أنني سأكتب عنه وعن رفاقه الشهداء.
.

.
“استشهاد بنيان “

نريد أن نعرّف القراء على الشهيد بنيان.. كيف تصفيه لنا خلقاً وأخلاقاً؟

ابني الشهيد كان ضابطاً مهندساً في “أكاديمية الأسد للهندسة العسكرية” بحلب، كل الصفات التي تحلم أي أم أن يتحلى بها ابنها، كان يتصف بها. كان ملاكاً وباراً ورائعاً يحمل عنفوان الشباب وحكمة الشيوخ وجمال يوسف، كما كل الشهداء.

هل كان يمكن أن تكتبي روايتك لولا الحدث الجلل في “الكندي” واستشهاد بنيان؟

بصراحة لا.. لم أكن لأكتب وأؤلف روايات. بل لم يخطر ببالي أن أكتب يوماً. كنت ككل النساء وربات البيوت الموظفات. أدير بيتي وموظفة، وأعيش حياة عادية، ومنتهى حلمي أن أتمّ رسالتي كأم أنجبت وربّت وتوفر حياة كريمة لأبنائها.
والحقيقة أريد أن أمرر توضيحاً عبر “الوسط”. فأنا حين أكتب عن بنيان، أكتب عنه كرمز، أختصر من خلاله كل الشهداء. كما لو أنني أكتب لكل شهيد، نيابة عن كل أم وأب وأخت وأخ وزوجة وابنة وابن وحبيبة وصديقة وقريبة وجارة.
.

.

“رحلة الذات إلى الذات”
رواية (يوم ارتقى الشهداء.. رحلة الذات إلى الذات) هي مدونة الحرب رقم واحد بسورية.. فماذا عن تفاصيل إصدارها؟ وهل تلقيتِ مساعدة ما من كاتب أو ناقد يرشدك في خطواتك الأولى؟

الرواية صدرت عن وزارة الثقافة- “الهيئة العامة السورية للكتاب” مطلع عام ٢٠٢٠.. كتبتها عشرات المرات، وكنت أضيف وأحذف وأكتب وأبكي..  وهناك كثير من الأمور كانت تحدث معي لا أعرف فك شيفرتها! كانت تفاصيلها تحمل قراءة خاصة وعميقة لكثير من المواقف. أضف إلى فلسفة وصوفية وروحية ووجدانية.
وبالطبع حظيت بمتابعة يومية وإرشادات وملاحظات من قبل الكاتب والناقد حسين شعبان.. كي تظهر الرواية متماسكة وتُشكّل مادة أدبية موثوقة، لا مجرد كتاب عاطفي.

 تمّ توقيع الرواية في أكثر من مركز ثقافي- ومع أنني أعي صعوبة أن يصفق الحضور لوجعك وجرحك، لكن لنشاركك تلك المشاعر، لو سمحتِ؟

 نعم تم دعوتي لتوقيع الرواية في “ثقافي أبو رمانة بدمشق” بإدارة مديرة المركز رباب أحمد والإعلامية إلهام سلطان والأديبة سلوى عباس والأديب أيمن الحسن. وكان في التوقيع قامات عدة، من ضمنهم الشاعر الفلسطيني كمال سحيم والدكتور أحمد شعراوي ومسؤول ثقافي في السفارة الإيرانية بدمشق، و”سيدات سوريا الخير”. ومجموعة من ضباط الجيش العربي السوري والفلسطيني. وقلدت بالكوفية، وحضر التوقيع الأب الياس زحلاوي ووسائل الإعلام السورية المسموعة والمقروءة والمرئية. وكنت أرى وجه ابني الشهيد وكل شهداء وطني بين الحضور، وامتزجت الدمعة بالبسمة.
عموماً.. قمت بتوقيع نسخاً عديدة لخارج سورية. والأهم أنني أرسلت نسخاً من الرواية إلى السيد الرئيس د.بشار الأسد والسيدة الأولى، وكذلك إلى الدكتورة بثينة شعبان.
.

.

“كاتبة حتى الموت”

نالت الرواية استحساناً وتقديراً، لا أدري ما هو أثره لديكِ؟ وهل تنوين تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي؟

بعد العديد من كلمات الإعجاب والتشجيع من كتّاب وأدباء حول الرواية، شجعني ذلك أن أستمر في الكتابة، لأن معظم من قدّم لي رأياً كان يرى أنني أكتب بصدق ومعرفة.
بل كل من وصلت إليه الرواية شعر بالمفاجأة: ان تكتب أم عن ابنها حكاية لها بداية بلا نهاية. حتى أن الأب الياس زحلاوي قال لي “أدهشتني روايتك يا أم البنيان. وعدني بأنه سيعيد طباعتها وترجمتها لكن ربما ظرفه الصحي قد أخّر الأمر.. كما أن وزير الإعلام  والسيد مر اد شاهين المدير العام للمؤسسة العامة للسينما. استقبلاني ورحبا بي ترحيباً حاراً، وتناقشنا بخصوص تحويل روايتي إلى فيلم سينمائي يخلد ملحمة الكندي لأنها تمثل كل أطياف الشعب السوري من كل قطاعات الجيش وكل المحافظات.

 تواصلين كتابة نصوص رائعة ومقالات مؤثرة عبر “الفيسبوك”.. هل هناك رواية ما في الطريق؟

في كل يوم ومنذ 7 أعوام وأنا أكتب. وأكرر وأعيد أن الكتابة عن وإلى الشهيد بنيان هي كتابة عن كل شهيد بذل روحه ودمه فداءً لسورية الحبيبة.
أكتب كل يوم. وفي كل فجر يرن موبايلي على توقيت ثابت، لم يتغير، فقد وعدت ابني أن أنهض لأدعي وأطلب لجيشنا الغالي، حتى لو لم يعد بنيان بينهم. ثم أجلس وأكتب كلما نظرت إلى وجهه الملائكي. وكما أول يوم كتبت.. سأكتب لآخر  يوم في عمري. ومن المؤكد سأجمع تلك النصوص وأطلقها في رواية جديدة، فأنا أعتز وأفخر بأنني أم شهيد.
.

.

“أنبياء جدد”
لو طلبت منك كتابة عبارة ما، سواء لأهل الشهداء أو لأرواحهم الطاهرة أو إلى المواطنين السوريين، ماذا تكتبين؟

أقول للجميع: الشهداء أسياد البطولة والفداء، هم الأنبياء جدد.. فبعد السيد المسيح الذي نطق بالمهد.. هم نطقوا بعد الشهادة.. وعلمونا التضحية والفداء. فكانت الولادة نسل الخلود لوطني الحبيب أمي سورية، التي سيأتي العالم إليهاً ساجداً يتيمم من ترابها المعمّد بدم الشهداء الأبرار، يعتذر، ولأنها الأم فقلبها سيتسع للكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى