العناوين الرئيسيةدراسات وأبحاث

رابعة العدوية قدّيسة الحب الإلهي .. نجيب البكوشي ..

رابعة العدوية قدّيسة الحب الإلهي ..

عرفْتُ الهَوَى مُذ عَرَفْتُ هواكَ
وأغْلَقْتُ قَلْبى عَلىٰ مَنْ عَاداكْ
وقُمْتُ اُناجِيـكَ يا مَن تـَرىٰ
خَفايا القُلُوبِ ولَسْنا نراك
أحِبُكَ حُبَيْنِ: حُبَ الهَـوىٰ
وحُبْــاً لأنَكَ أهْـلٌ لـِذَاك
فأما الذى هُوَ حُبُ الهَوىٰ
فَشُغْلِى بذِكْرِكَ عَمَنْ سـِواكْ
وامّـا الذى أنْتَ أهلٌ لَهُ
فَكشفُك للحُجب حَتىٰ أراكْ
فلا الحَمْدُ فى ذا ولا ذاكَ لي
ولكنْ لكَ الحَمْدُ فِى ذا وذاك…
رابعة العدوية

يتحدّث فريد الدين العطار، أحد أقطاب التصوّف، في كتابه تذكرة الأولياء عن رابعة العدوية فيقول: إنها ذات الخِدر الخاص، المستور بستر الإخلاص، المتّقدة بنار العشق والإشتياق، المتحرّقة إلى القرب والإحترام، الفانية في الوصال، االمقبولة عند الرجال، كأنها مريم ثانية، صافية صفية، إنّها رابعة العدوية.

بمجرّد ذكر إسم رابعة العدوية، تحضر في ذهن المُتلقّي العربي الممثلة المصرية نبيلة عبيد في دور رابعة العدوية في فيلم المخرج المصري “نيازي مصطفى” ، الذي أخرجه سنة 1963، وحمل عنوان “رابعة العدوية” .

هذا الفيلم وخاصة شخصية “نبيلة عبيد” ، التي ابدعت في أداء دورها، سيُحدد في المخيال العربي الصورة النمطية للمتصوفة رابعة العدوية.

سيناريو الفيلم يتحدّث عن حياة رابعة العدوية في البصرة، وكيف انها كانت محل صراع بين تاجرين من أثرياء المدينة، لتصبح جارية لأحدهما وهو من “آل عاتيك” ، حوّل حياتها إلى لهو وعبث ومجون. ثمّ تلتقي بالمتصوف الشهير ذو النون المصري الذي سيدلها على الطريق الصحيح، لتصبح زاهدة ومتصوفة.

يستطيع المرء المطّلع على الحد الأدنى من تاريخ التصوّف، ان يدرك ان هذا السيناريو لا علاقة له بالسيرة الذاتية التاريخية لرابعة العدوية، فرابعة في الفيلم تظهر شابة في مقتبل العمر و الصوفي ذو النون المصري شيخ متقدّم في السن، في حين ان ذا النون المصري واسمه ثوبان بن إبراهيم، عند ولادته سنة 155 هجرية في أخميم بمصر كان عمر رابعة العدوية على أقل تقدير ستّين عاما.

لنفترض ان ذا النون المصري الذي عُرف بترحاله قد سافر إلى البصرة وهو في العشرين من عمره والتقى هناك برابعة العدوية، هذه الأخيرة سيكون وقتئذ عمرها لا يقل عن ثمانين عاما. كيف لعجوز في الثمانين من عمرها ان تُغني وترقص وتثير الفتنة بين أهل البصرة!!!! ثمّ لنفترض جدلا ان رابعة العدوية كانت لها حياة ماجنة عندما كانت شابة، فكيف تابت على يد ذي النون المصري ولم تتب قبله على يدي الحسن البصري أشهر علماء عصره والملقّب بسيد التابعين، والذي كانت مريدة في حلقته وطلبها للزواج ورفضته، او سفيان الثوري الملقب بشيخ الإسلام، وإمام الحفاظ، وكانت له معها سجالات عديدة؟.

يبدو أن كاتب السناريو اعتمد على رواية المفكّر المصري عبد الرحمان بدوي الواردة في كتابه: “شهيدة العشق الإلهي، رابعة العدوية”، حيث يستند بدوي على جملة اوردها فريد الدين العطار في كتابه تذكرة الأولياء، ذكر فيها ان رابعة العدوية اتخذت مهنة العزف على الناي زمنا ما، ثم تابت من بعد ذلك وابتنت لنفسها خلوة انقطعت فيها للعبادة.

غريب! وكأن العزف على الناي يساوي المجون! وبناء على هذه الجملة اليتيمة للعطار يقول بدوي: “نحن نفترض ما يلي: أن رابعة لما أُعتقت اندفعت بفضل الحرية التي وُهِبتها إلى المشاركة في الحياة الدنيا، وهذه الفترة من حياتها مثل تلك الفترة التي أمضتها القديسة الإسبانية تيريزا، فانطلقت رابعة تسعى لرزقها فلم تجد غير حرفة العزف على الناي والإطراب.

ويُضيف: ويحتمل كذلك أنها إبان هذه الحياة الفنية بما تقتضيه من ملابسات قد اندفعت في طريق الشهوات إلى مدى بعيد، ويخيل إلينا أنها قطعت شوطا طويلا في طريق الإثم وغرقت في بحر الشهوات، واقتاتت بقوت الحواس حتى الثمالة، لأنها تابت من بعد ذلك. فهذه التوبة نفسها أصدق دليل لدينا على اندفاعها إلى أبعد حد في طريق الشهوة.

فالأطراف في تماس كما يقولون، والإعتدال لا يمكن مطلقاً ان يؤدي إلى التحول الحاسم، فهذه الإنقلابات الروحية الكبرى انما تقع دائما نتيجة لعنف وافراط ومبالغة في الطرف الأول المنقلب عنه. فعنف إيمان القديس بولس كان نتيجة لعنف إنكاره للمسيحية، وعنف الحياة التقية للقديس أوغسطين كان لازما طبيعيا لعنف الحياة الشهوانية الحسية التي عاشها قبل تحوله إلى الإيمان، إن الإعتدال من شأن الضعفاء و التافهين، اما التطرّف فمن شيمة الممتازين الذين يبدعون و يصنعون التاريخ.

ينطلق عبد الرحمان بدوي من فرضية سيكولوجية مفادها ان من أعماق الشهوة العنيفة تنبثق الشرارة المقدسة للطهارة، وأن ما كان لرابعة العدوية او القديسة تيزيزا او بولس الرسول أو القديس أوغسطين ان يتطرّفوا في إيمانهم وحبهم لله لو لم يتطرّفوا في الخطيئة.

رواية عبد الرحمان بدوي حول توبة رابعة العدوية هي فرضية سيكولوجية لا أساس تاريخي لها، لذلك عند تقديمها يستعمل الصيغ اللغوية التالية: فنحن نفترض ما يلي… ويُحتمل أن… ، ويُخيّل إلينا… إلخ.

كان المفكّر عبد الرحمان بدوي مثل المستشرق لوي ماسينيون شغوفا بفكرة التماثل بين شخصيات في التصوّف الإسلامي مع شخصيات في التصوف المسيحي، وأظن انّه جانب الصواب في محاولة نمذجة مسار تديّن رابعة العدوية وقياسه على مسارات تدين أخرى في أنساق ثقافية وحضارية مختلفة. إلى جانب انه لا أحد من الرواة والمؤرخين تحدّث عن توبة رابعة العدوية كما صوّرها عبد الرحمان بدوي. لكن هذا الملاحظة لا تنقص من قيمة مجهود عبد الرحمان بدوي في كتابه “شهيدة العشق الإلهي، رابعة العدوية”، ولا من قيمة هذا المفكّر و الفيلسوف الذي قدّم إضافة نوعية للمكتبة العربية.

نعود إلى فيلم رابعة العدوية الذي وفّر له المخرج المصري “نيازي مصطفى” كل أسباب النجاح وجعله قريبا من وجدان الجمهور العربي، فأغاني الفيلم كانت بصوت أم كلثوم أحد اهم الفنانيين الذي صنعوا الأذن الموسيقية العربية من المحيط إلى الخليج، والأدوار كانت من أداء أقطاب السينما المصرية وقتئذ. والأهم، هو تناوله لفكرة قريبة جدّا من سيكولوجية المواطن العربي وهي فكرة التوبة.

سيصبح تطرّف رابعة العدوية في التوبة بعد تطرّفها في الخطيئة النموذج المثالي للتديّن إلى يومنا هذا، لذلك نرى سيناريو توبة رابعة يتكرر بشكل دائم خاصّة في صفوف الفنانات والفنانيين.

الحديث عن التوبة يحملني إلى القطب ذي النون المصري، وهو مريد وتابع لرابعة العدوية وليس مربيا روحيا لها كما يذكر سناريو الفيلم. ذو النون المصري يذكر نوعين من التوبة؛ توبة العوام، وتوبة الخواص، توبة العوام تكون توبة من الذنوب، أما توبة الخواص فتكون توبة من الغفلة عن حب الله.

سنرى معا كيف ان توبة رابعة العدوية هي توبة خواص تقوم على مقام حب الله وليست توبة عوام تقوم على مقام الخوف من الله.

في البدء سنحاول أن نُجيب على سؤال من تكون رابعة العدوية؟

هي رابعة العدوية، نسبة لبني عدوة، وتكنّى بأم الخير بنت إسماعيل مولاة آل عاتيك. وُلدت في البصرة حوالي سنة 100 هجرية، وجاءت بعد ثلاث بنات فسُميت رابعة.

نشأت رابعة العدوية في أسرة فقيرة جدا. يقول فريد الدين العطّار في كتابه تذكرة الأولياء: عند ولادتها لم يكن لدى أبويها قطرة سمن واحدة لدهن موضع خلاصها، ولم يكن ثمت زيت لإضاءة القنديل في البيت، فطلبت أم رابعة من زوجها وكان رجلا عابدا ناسكا ان يطرق باب الجيران للحصول على قليل من الزيت، ولكن باب الجيران لم يُفتح له، فأنبأها بما حدث فبكت، فأطرق على ركبتيه حتى نام، وفي المنام رأى النبي فقال له لا تحزن، فهذه البنت سيدة جليلة القدر، وإن سبعين ألف من أمتي ليرجون شفاعتها.

رابعة ستفقد والديها وهي طفلة صغيرة وسيترك لها والدها مع أخواتها قاربا صغيرا يقل الناس في أحد أنهار البصرة بدراهم معدودة. ويذكر الرواة انه حدث في تلك السنوات قحط في مدينة البصرة، وعمّت الفوضى فاختطفها لصوص، وبيعت في سوق العبيد بستة دراهم لرجل من آل عاتيك أثقل كاهلها بالعمل.

أوّل من ذكرها في المصادر العربية هو أبو عثمان الجاحظ في كتابيه “البيان والتبيين” و”الحيوان”، والجاحظ الذي ولد سنة 155 هجرية وتوفى سنة 255 هجرية كان معاصرا لرابعة العدوية وربما أدركها، وبالتالي روايته حولها هي الأقرب للحقيقة التاريخية. لكن للأسف الجاحظ لا يطنب في الحديث عن رابعة وكتب حولها بضعة جمل فقط، ويذكرها عند حديثه عن نساك البصرة وزهادها ويُسمّيها رابعة القيسية.

يظلّ كتاب تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار الذي عاش في القرن السادس للهجرة أهم مرجع حول السيرة الذاتية لرابعة العدوية، يبقى ان العطار ليس مؤرخا بل شاعر جامح الخيال ويحيط رابعة العدوية بالكرامات والخوارق إجلالا لها.

يقول العطار ان رابعة خرجت في يوم ما من بيت سيدها، وفي الطريق هجم عليها رجل غريب فهربت ووقعت على التراب، وقالت: يا ربي! انا غريبة ويتيمة وأسيرة وقد صرت عبدة، لكن غمي الكبير هو أن أعرف: أراض عني انت أم غير راض، فسمعت صوتا يقول لها:” لا تحزني، لأنه في يوم الحساب المقربون في السماء ينظرون إليك ويحسدونك على ما انت فيه”.

بعد هذه الحادثة ستعود رابعة إلى بيت سيدها آمنة، وستصبح ناسكة ومتعبدة ليلا نهارا، وفي ليلة ما وعندما كانت تصلّي شاهد سيدُها فوق رأسها قنديلا معلّقا ملأ البيت نورا، فقرّر ان يعتقها ويطلق سراحها.

منذ تلك اللحظة ستبدأ رابعة العدوية رحلتها الروحية في مدينة البصرة وهي امرأة حرّة. هذا المسار الروحي لرابعة العدوية القادمة من حيف الرق والعبودية يذكّرنا كما قال عبد الرحمان بدوي بمسارات مشابهة لشخصيات أخرى هامة في صدر الإسلام عانت من ويلات الظلم والقهر مثل بلال بن رباح وسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وكل هذه الشخصيات القادمة من مدرسة الألم اختارت طريق الزهد للتقرّب من الله.

ترددت رابعة العدوية في البصرة على مجالس الزهّاد والفقهاء ورواة السيرة والحديث من اهمّهم الحسن البصري، ورياح بن عمرو القيسي، وسفيان الثوري، ولكن رابعة العدوية لن تكتفي بمرتبة المريد في حلقات هؤلاء الأقطاب في الزهد والفقه بل ستخوض معهم سجالات فقهية معقّدة وستؤسس لمذهب صوفي جديد يختلف عن سابقيها.

مع رابعة العدوية سيظهر الحب الإلهي، وسيرتقي التصوّف من مجرّد زهد قائم على مقام الخوف إلى فناء في الله قائم على مقام الحب، وفي هذا الإطار تأتي الأبيات التي ذكرناها في بداية النص من قصيدتها عرفت الهوى التي جاءت على بحر المتقارب والقائلة:

أحِبُكَ حُبَيْنِ: حُبَ الهَـوىٰ
وحُبْــاً لأنَكَ أهْـل لـِذَاك
فأما الذى هُوَ حُبُ الهَوىٰ
فَشُغْلِى بذِكْرِكَ عَمَنْ سـِواكْ
وامّـا الذى أنْتَ أهلٌ لَهُ
فَكشفك للحُجب حَتىٰ أراكْ…

الإمام الغزالي في كتابه الإحياء؛ يقول في شرح هذه الأبيات لرابعة العدوية : ” لعلّها أرادت بحب الهوى: حب الله لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ عاجلة؛ وبحبّه لما هو أهل له، الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها، وهو أعلى الحبّين”.

تميّز رابعة في هذه القصيدة الرائعة بين نوعين من الحب تجاه خالقها تأخذ بهما معا؛ حب الهوى والحب الخالص، الأوّل هو حب ناقص لأنه حب الحواس والثاني هو حب كامل لأنه حب مجرّد.

رابعة العدوية رغم جمالها وسعة علمها سترفض فكرة الزواج لأنها لا تريد أن تُشرك طرفا آخر في حبّها لله. رفضت الزواج من الحسن البصري ورفضت الزواج من والي البصرة محمد بن سليمان الهاشمي.

يذكر فريد الدين العطار في كتابه تذكرة الأولياء ان الحسن البصري سألها هل تتزوجين؟ فأجابته : الزواج ضروري لمن له الخيار؛ أما أنا فلا خيار لي في نفسي، إني لربي وفي ظل أوامره، ولا قيمة لشخصي. فقال الحسن : فكيف بلغت هذه الدرجة؟ فأجابت: بفنائي بالكلية، فقال الحسن: انت تعرفين لماذا؛ اما نحن فلا يوجد لنا هذا. هنا الحسن البصري يقرّ بسموّ المقام الروحي رابعة العدوية.

هذا الحب الإلهى عند رابعة العدوية سيكون حبّا لا مصلحة مادية فيه للمُحب فهو ليس خوفا من النار ولا طمعا في الجنّة بل هو حب لذاته.

سألها سفيان الثوري يوما : ما حقيقة إيمانك؟ فأجابت: ما عبدته خوفا من ناره ولا حبا لجنته، فأكون كأجير السوء. عبدته فقط حبا وشوقا إليه”.

يروي الأفلاكي في كتابه مناقب العارفين: ” ذات يوم رأى جماعة من الأصحاب رابعة وفي إحدى يديها نار، وفي الأخرى ماء وهي تعدو مسرعة، فسألوها: أيتها السيدة إلى أين أنت ذاهبة؟ وماذا تبتغين؟ فقالت: أنا ذاهبة إلى السماء كي ألقي بالنار في الجنة وأصب الماء على الجحيم فلا تبقى هذه ولا تلك، ويظهر المقصود، فينظر العباد إلى الله دون رجاء ومن غير خوف، ويعبدونه على هذا النحو؛ بلا مطمع في جزاء او خوف من عقاب، ذلك انه لو لم يكن ثمت رجاء في الجنة وخوف من الجحيم، أفكانوا يعبدون الحق ويطيعونه؟.

أرادت رابعة العدوية ان تخلص المؤمن من فكرة الثواب والعقاب، الجنّة والنار لأن العبادة الحق في تقديرها تكون لوجه الله لا يُطلب منها جزاءا ولا شُكورا.

ينسب فريد الدين العطار العديد من الكرامات لرابعة العدوية ويقول انّه كما ان للأنبياء معجزات، فإن للأولياء كرامات، ومن أشهر ما ينسب من كرامات لرابعة؛ ان لصا دخل بيتها فلم يجد غير ابريق ماء فلمّا همّ بالخروج قالت له ان كنت من الشُطّار فلا تخرج بغير شيء، فقال؛ اني لم اجد شيئا، فقالت يا مسكين! توضأ بهذا الإبريق وادخل في هذا المخدع، وصلي ركعتين، فإنك ما تخرج إلا بشيء. ففعل ما أمرته، فلما قام يصلي رفعت رابعة طرفها إلى السماء وقالت؛ سيدي ومولاي، هذا قد أتى بابي ولم يجد شيئا عندي وقد أوقفتُه ببابك، فلا تحرمه من فضلك وثوابك!

طبعا هذه الخوارق قيمتها ليست في صدقيتها او تاريخيتها بل في الدرس الروحاني الذي يمكن ان يستخلص منها.

اختلف الرواة و المؤرخون حول تاريخ وفاة رابعة العدوية فيذهب ابن الجوزي في كتابه “شذور العقود” إلى القول ان وفاتها كانت سنة خمس وثلاثين ومائة للهجرة في حين يروي الذهبي ان تاريخ وفاتها كان سنة ثمانين ومائة هجرية وتوجد رواية ثالثة تقول ان تاريخ وفاتها كان سنة خمس وثمانين ومائة للهجرة. ويذكر عبد الرحمان بدوي ان المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون في كتابه «بحث في أصول المصطلح الفني للتصوف الإسلامي»، يرجّح الرواية الثالثة حول تاريخ وفاة رابعة العدوية اي سنة خمس وثمانين ومائة هجرية. ويذهب ماسينيون إلى ان اختيار بعض الرواة لتاريخ خمس وثلاثين ومائة هجرية كتاريخ وفاة القصد منه جعل رابعة العدوية تلميذة للحسن البصري، الذي توفي سنة عشر ومائة هجرية، وذلك لتبرير القصص والكرامات التي حدثت بينهما، ويبرهن لوي ماسينيون على اختياره لسنة خمس وثمانين ومائة هجرية كتاريخ وفاة عوض خمس وثلاثين ومائة هجرية بالحجج التالية:
أولا: صداقتها المشهورة لرياح بن عمرو القيسي المتوفى نحو سنة 180 أو 195 هـجرية.
ثانيا: التقاؤها بسفيان الثوري الذي من الثابت انه أتى البصرة بعد سنة 155 هجرية ، فلو كانت رابعة توفيت سنة 135 هـجرية لما صح اجتماعها به.
ثالثا: قصة خطبتها من طرف والي البصرة محمد بن سليمان الهاشمي، وهو كان واليا على البصرة سنة 145 هـجرية وتوفي سنة 170 هجرية.

ويوجد كذلك اختلاف حول مكان قبر رابعة العدوية فيذهب بعض الرواة إلى ان قبرها بالقدس على رأس جبل الزيتون بقرية الطور في حين يرى فريق آخر من اهمهم ابن بطوطة ان هذا القبر يعود إلي رابعة ثانية وهي رابعة الشامية، وقد اختلط الأمر على الناس بين هاتين الصوفيتين لذلك نسبوا قبر رابعة الشامية لرابعة العدوية البصرية، ويوجد نفس الخلط على مقام آخر يوجد في مدينة دمشق وينسب للرابعتين.

قضت رابعة العدوية حياتها وهي تحترق بنار الحب الإلهي. حتّى انه أصبح لا يذكر الحب الإلهي إلا في حضرة رابعة ولا تُذكر رابعة إلا في حضرة الحب الإلهي.

رسمت رابعة طريق الحب الإلهي للمريدين السالكين في طريق الله الذين جاؤوا بعدها مثل الحسين بن منصور الحلاج وذي النون المصري وأبي يزيد البسطامي ومحيي الدين بن عربي وفريد الدين العطار وشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي الذين تعلّموا منها انه يوجد صنفان من العابدين؛ صنف يعبد الله رغبة أو رهبة وصنف يعبد الله فقط حبّا له.

*باحث وكاتب تونسي.

 

أهمّ المراجع:

* تذكرة الأولياء، فريد الدين العطار،
ترجمة: محمد الأصيلي الوسطاني الشافعي، تحقيق : محمد أديب الجادر
الناشر: دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – سورية، طبعة سنة 2009.

*شهيدة العشق الإلهي، رابعة العدوية، عبد الرحمان بدوي. الناشر : دار النهضة العصرية سنة 2018.
*بحث في أصول المصطلح الفني للتصوف الإسلامي، لوي ماسينيون.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
أهم الأخبار ..
البنك الدولي يقدّم نحو ملياري دولار لـ باكستان بعد فيضانات مدمرة أودت بحياة أكثر من 1600 شخص هذا العام.. طاجيكستان وقرغيزستان توقعان بروتوكولا لإنهاء النزاع الحدودي.. الولايات المتحدة تخرج 79 صهريجا من النفط السوري المسروق من حقول منطقة الجزيرة والمنطقة الشرقية عبر معبر المحمودية باتجاه قواعدها في العراق.. مظاهرة حاشدة لأنصار المعارضة في عاصمة مولدوفا، للمطالبة باستقالة قيادة البلاد وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة.. إعلام: تركيا ترصد انتشارا عسكريا يونانيا في جزر بحر إيجه.. العراق يعلن بدء عمليات ضخ النفط الخام التجريبية في مصفاة كربلاء.. دبلوماسي عراقي يشاهد مباراة خلال انعقاد اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.. مسؤول إيراني: الرئيسان الفرنسي والسويسري حملا رسائل أمريكية للرئيس الإيراني.. الدفاع الروسية: إحباط محاولة أوكرانية للهجوم بمسيرات مفخخة على محطة زابوروجيه النووية.. شرطة الاحتلال الإسرائيلي تدعو المستوطنين لحمل السلاح.. إيران.. زلزال بقوة 4.3 درجات على مقياس ريختر، يضرب محافظة كرمان جنوب شرقي البلاد.. بعد زياته السعودية لعقد شراكات في مجال الطاقة، المستشار الألماني يصل الإمارات قبل أن يستكمل جولته في قطر.. بريطانيا: مشروع قانون فى البرلمان لتخفيض عدد أيام العمل إلى أربعة أيام في الأسبوع الواحد.. صناديق الاقتراع في إيطاليا تفتح أبوابها..اليوم الأحد، لانتخاب برلمان جديد للبلاد، وسط توقعات بفوز الأحزاب اليمينية. استطلاع جديد للرأي يكشف أن عددا كبيرا من الأمريكيين يتفقون على أن ‏جو بايدن، أكبر في السن من أن يخدم في منصبه، كما هو الحال مع سلفه دونالد ترامب.‏. الخارجية الإيرانية تستدعي سفيري بريطانيا والنرويج في طهران، ردا على التدخل في "الشؤون الداخلية".. مقتل وإصابة عشرات الجنود الصوماليين جراء تفجير انتحاري استهدف مدرسة تدريب عسكرية في مقديشو.. قتيلان بهجوم صاروخي أوكراني على فندق في خيرسون.. يقيم فيه إعلاميون.. وزير الخارجية الإيراني: واشنطن بعثت رسالة خلال الأيام الأخيرة تؤكد حسن نيتها من أجل التوصل لاتفاق نووي.. جمعية مصارف لبنان: استئناف العمل في البنوك اعتبارا من الغد..