كان الإصلاح الزراعي وتخفيض سقف الملكية الزراعية وتوزيع الأراضي وتخفيف الضرائب وفتح الكليات العسكرية والجيش والإدارة أمام أبناء الريف واحتواء طبقة كبار الملاك وتفكيكها تمكين الريف والفلاحين الخ من أهم وسائل البعث لتمكين نفسه وسلطته.كانت تأثيرت تيار صلاح جديد واضحة، ولو أنها فشلت لاحقاً بتأثير عوامل عديدة، مثل “سيولة الوضع الاجتماعي، ومقاومة عناصر المدينة المتحصنة التي لا مصلحة لها مع النظام، ووضع الاقتصاد غير المستقر، وتقلبات الحزب من أزمة إلى أخرى، والتغيير المتكرر في ميزان القوى داخل الجيش، والآثار الكارثية لحرب حزيران / يونيو 1967 ، وجو انعدام الثقة السائد ، وانشقاقات التيار السائد في حزب البعث ، على الرغم من أصول أعضائه الريفية المشتركة وتوجهاتهم الريفية المتشابهة ..”. ص 327 .يمر النص على واقعة أو حقيقة أن الصراعات السياسية والحزبية لم تكن ريفية ولا مذهبية أو طائفية، ولكنه لا يعطي ذلك الأهمية النسبية اللازمة . كما أنه يقدم صياغة ملتبسة تعزز المعنى أكثر مما تخفف منه أو تنفيه ، يقول : ” تاريخ البعث في الستينيات هو ، بمعنى ما ، تاريخ شقاقات حزبية . لم تكن النزاعات الحزبية الداخلية قط طائفية صرفاً أو إقليمية صرفاً بطبيعتها . هكذا كان من الممكن العثور عل عناصر من المجموعات البعثية الرئيسة في الجيش – مجموعة اللاذقية العلوية ، ومجموعة جبل العرب الدرزية ، ومجموعتا حوران ودير الزور السنيتان – في هذه اللحظة أو تلك في كل فئة سياسية تقريباً. وغالباً ما كانت العوامل أو التطلعات الشخصية إلى السلطة حاضرة. وكان للقرابات العقائدية دور ما ، لكن لا يبدو أنه كان حاسماً ” . ص 327-328 . يتناول الكاتب صلاح جديد بانتقادات حادة، ص 328-330 ، وهو ما لم يفعله تجاه قيادات حزبية ودولتية أخرى ، لم يقل شيئاً تقريباً تجاه ميشيل عفلق ولا زكي الأرسوزي ، ولو أنه أصاب في تقديره لموقف صلاح جديد من الصراع مع إسرائيل ومفهومه للمقاومة الفلسطينية والتفاعلات الإقليمية والدولية، ص 330. وهو ما يبدو أن وزير الدفاع حافظ الأسد تعلم منه، فقد تحول الأخير من موقف متشدد في المؤتمر القومي الاستثنائي التاسع (آب/أغسطس – أيلول/سبتمبر 1976) إلى موقف أكثر اعتدالاً، فقد “أدرك الحاجة إلى مسار جديد أكثر اتساقاً مع الإمكانات التي ينطوي عليها الواقع الموضوعي، أو مدفوعاً باعتبارات أخرى –ربما بتغيّر مزاج العسكر- انعطف نحو الفكرة القائلة إن النظام لا يمكن أن يعالج صعوباته إلا بالتحول نحو سياسة التسوية على الجبهتين الإقليمية والمحلية”. ص 330.في المراحل الأولى كان الصراع بين حافظ الأسد وصلاح جديد داخل الخط نفسه، ولكن الأمور تطورت إلى صراع مفتوح بين التيارين أو الخطين الرئيسين في الحزب والدولة، الأول مدني بقيادة جديد والثاني عسكري بقيادة الأسد، ص 333.ولكن أين كان فلاحو سورية ومدنيوها أو تجارها وحرفيوها من كل ذلك؟ وما كان العامل المرجح للصراع بين التيارين المدني والعسكري، ولماذا جرت التسميات على هذا النحو، أي مدني وعسكري؟ يسكت النص عن أسئلة من هذا النوع.تمثّل فترة حكم الرئيس حافظ الأسد قطيعة تامة مع بعث المرحلتين الأولى والثانية، وإذ يقول النص إن الأسد هو أول رئيس لسورية من أصل فلاحي، فإنه يفرد 14 فصلاً من الكتاب لتلك الفترة، متحدثاً عن إعجاب كبير بالرجل الذي مركز السياسة حوله وربط الحزب والدولة به، ولو أنه سعى إلى جعل الحزب أكثر جماهيرية وأكثر انتشاراً في الأوساط الريفية، ص 340. وقد شهد الحزب تغيّراً في الوزن النسبي لأعضائه بحسب المنطقة والمحافظة، وخاصة بعد أحداث حماه. غير أن ثمة تراجعاً نسبياً في تمثيل الفلاحين الحزبي في محافظات عديدة بسبب الهجرة إلى المدن وتغيّر نسبة الاعتماد على الأرض والزراعة الخ.يتناول النص في مواضع عديدة انطباعات وتقديرات الكاتب عن الرئيس حافظ الأسد ومهاراته وبراغماتيته الفائقة، إلا أنه يضع ذلك في سياق التمركز حول السلطة وحول شخص الرئيس. وقد اقتضت البراغماتية أن يزيد الأسد في الفسحة أمام الطبقات والشرائح غير الفلاحية، وخاصة رجال المال والأعمال، ص 404. كما كان لعائلة الأسد وحاشيته المقربين حيز كبير نسبياً في الكتاب، ومثل ذلك لشريحة كبار ضباط الجيش والمخابرات، وأصولهم الاجتماعية والدينية.يفرد الكتاب فصلاً عن أحداث حماه وسياسة الرئيس الأسد تجاه الإخوان المسلمين، ص 479-510، وفصلاً آخر بدا طويلاً بعض الشيء عن سياسة الأسد تجاه القضية الفلطسينية وعلاقته بحركة فتح وياسر عرفات، ص525 589.
عوائق أمام كتاب ” فلاحو سورية ” ..
اتبع الكاتب المنهج نفسه الذي اتعبه في كتابه عن العراق، وإذا كان المنهج ناجحاً في قضية قد لا يكون كذلك في أخرى، حتى لو كانت ثمة عوامل متشابهة في القضيتين/الموضوعين العراقي والسوري. وثمة من أخذ يقارن بين الكتابين، ولا شك أن لتجربة الكاتب عن العراق تأثيرات وإسقاطات على كتابه عن سورية.وهناك تعميمات فيما يتعلق بأمور عديدة، التصنيف الاجتماعي الاقتصادي ثم “هجرانه” إلى التصنيف الطائفي، أو إعطاء الأخير وزناً نسبياً وتحليلياً أكبر، وتحدّث الكتاب كثيراً في الأصول الدينية ولم يُوفق كثيراً في الربط بينها وبين الاتجاهات السياسية.ولم تكن التسميات والألفاظ المستخدمة مطابقة للمسميات، ذلك أن تعبير “الأقل شأناً” لم يكن مريحاً، وقد استخدم كثيراً في مواضع غير مفيدة إلا من باب التأكيدات السلبية المتحيزة على أسس نخبوية ومادية وطبقية. وانطوى على دلالات ومدارك وتحيزات نمطية ومناهضة للريف.ثم إن إعادة السياسات إلى “الأصول الريفية” يربط بشكل سببي وتلقائي بين تقصي الأصول الاجتماعية لفواعل السياسة وبين الفشل أو الإخفاق فيها، ويلمح إلى موقف سلبي للمدن أو المدن الريفية من سياسات “أبناء الريف”. ويسكت النص عن الأصول والمصادر المدينية لكل السياسات التي يتحدث عنها الكتاب، بمعنى دور الأعيان المدينيين والتجار والصناعيين ورجال الدين الخ.يسكت النص عن أبناء الريف الذين كانوا مضطرين للجوء إلى الجيش والأحزاب الشعبوية والراديكالية، وهذا يتطلب المزيد من التحليل المعمق. ويقف الكتاب ضمن موجة تأثيم للريف، وتأثيم للاتجاهات الاجتماعية التي وقفت إلى جانب “البعث” أو تمكن البعث من اجتذابها إليه أو بالأحرى تمكن من احتواء تطورات أخرى داخلها .. ولم تكن كتابات سامي الجندي ومنيف الزاز وغيرهم بريئة، ولا كتابات نيكولاس فان دام ورايموند هينبوش وفولكر بيرتس وغيرهم … التي دأبت على أن تقول الشيء نفسه تقريباً، وفق تعبير شهير لإمبرتو إيكو، ذلك أن الكتابات والمقاربات الثأرية لا تصلح لأن تكون أساساً يبنى عليه . فمن غير الجائز علمياً أن نقف عند تقييم الرزاز لصلاح جديد، وهو خصمه ، أو تقييمات سامي الجندي مثلاً لمرحلة كان هو أحد صناعها ولكن الصراعات أبعدته . وكان من الواجب على الكاتب أن يأخذ بأسباب التحقيق والتدقيق في مثل هذه الأمور.تتغلغل الكتابات المذكورة من شقوق وصدوع السياسة السورية، ذلك أن النظام لم يهتم كثيراً بالرد، وربما لم يكن لديه من يرد بشكل موضوعي، وتنكر لذلك الكم الكبير والمتزايد من الكتابات عن سورية، واكتفى بأن يمنعها من التدوال في داخل البلاد، … هنا سطحية وسذاجة، ولربما احتقار لفعل الكتابة ذاته.ثمة أمور لم يولٍّها الكتاب أهمية تذكر، وقد تكون غابت بشكل تام تقريباً، من قبيل: الصراع مع إسرائيل، وكرد سورية، واليسار داخل الاجتماع السوري، وتأثير أموال النفط، وتأثير عراق صدام حسين، وتأثير أعيان المدن وتفاعلاتهم واتجاهاتهم الإقليمية والدولية، وتأثير الزبانة السياسية والثقافية، وتأثير الاتجاهات التسلّطية للنظام، وخاصةً على الشرائح الريفية والفلاحية.ولو أن كتاب بطاطو عن فلاحي سورية وسياسات أبنائهم كان أكثر تأنياً وتدقيقاً في منطلقاته ومقولاته وتعميماته … لكن ” أعلى شأناً ” في نمط الكتابة عن سورية ، وأكثر قدرة على تحليل وتفسير العديد من السياسات والرهانات القائمة في الأزمة السورية اليوم .
الكتاب – فلاحو سورية : أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم
الكاتب : حنا بطاطو
ترجمة : عبد الله فاضل ورائد نقشبندي
الناشر: المركز العربي للأبحاث والدراسات، 2014، 703 ص .