نيوميديا - AI

د. رائد المصري – بين دمشق واسطنبول حكاية الرجل المريض

د. رائد المصري..

جريدة البناء

لا بدّ من تسليط الضّوء، ولو كان متأخراً لاعتماد مقارنة سريعة بين الإجراءات التي تمّ اتّخاذها في تركيا من قبل رئيسها رجب طيب أردوغان مدّعي الحرية ونشر الديمقراطية وتعميمها كنموذج إخونجي في الإقليم، وما اتّخذه الرئيس السوري بشار الأسد من إجراءات وقرارات، ربّما تعطي أو تعكس الصورة الحقيقية لمسار الحرب التي قرّر المستعمر الأميركي خوضها على دمشق وعادت بمفاعيل ارتدادية على اسطنبول، بما بات يهدّد كيان هذا الرجل المريض.

فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان صاحب النموذج الإسلامي الإخواني يضربه الإرهاب في عصب اقتصاده (السياحة في ليلة رأس السنة)، فتتفجّر الملاهي والحانات والمراقص بداعي الفسق والفجور وبأنها رجس من عمل الشيطان وجب أن تدفع فاتورة دم كبيرة، بينما الرئيس السوري بشار الأسد صاحب الفكر القومي العلماني، وفي ليلة رأس السنة، يسهر على جبهات قتال الإرهابيين مع جنوده يُطعمهم بيديه ويسامرهم حتى الصباح، ويقف على معنوياتهم. هؤلاء الجنود لم يكلّوا أو يملّوا طيلة ستّ سنوات من حرب طاحنة في مواجهة الإرهاب والتطرف وعلى الجبهات كلها وعلى مساحة الجغرافيا السورية كاملة.

رجب طيب أردوغان الذي موّل وأدخل وسهّل لعشرات الآلاف من الإرهابيين في العالم دخول سورية من أجل إسقاط الدولة السورية وعاثوا في الأرض فساداً، اليوم يعيدهم إليه الرئيس الأسد بالباصات الخضراء إلى أقصى الشمال السوري أو إلى إدلب بانتظار تصريفة ما في المستقبل.

الرئيس التركي الذي عمل في أقلّ من شهرين على أكبر حملة قمع وسجن بحقّ معارضين في تركيا وارتكب أكبر عملية استبداد في التاريخ الحديث وما يزال، نرى في المقابل الرئيس الأسد يُصدر العفو العام عن المعارضين السوريين وعن المسلحين ويقوم بإجراء المصالحات الممكنة في كلّ حيّ ودسكرة سورية، حيث توفرت شروط نجاحها.

أردوغان الذي يحاول التعديل في الدستور ليصبح رئاسياً، ومن خلاله يتفرّد بالسلطة كسلاطينه التاريخيين، نرى في المقابل أنّ الرئيس الأسد يدعو للحوار وتعديل الدستور لتوسيع المشاركة السياسية والدخول في حلول سياسية.

لقد ضجّ العالم مستنكراً مجزرة ملهى رينا الخطيرة في اسطنبول، وهي وحشية بامتياز، لكن هذا العالم صمت عن تسعة تفجيرات دموية جرت في ليلة واحدة ببغداد في التوقيت الميلادي، حاصدة عشرات الشهداء والجرحى، مع العلم أنّ منفّذي الجرائم في المدينتين من تنظيم داعش الإرهابي الذي تبنّى هذه الأعمال الوحشية.

الرجل الأطلسي المريض والذي تتقاذفه الفوضى الأمنية في تركيا بإدارة أربعة أطراف: تشكّل داعش والمسلحون المهزومون من الغدر والمتاجرة التركية بهم ذهاباً وإياباً أولها، وحزب العمال الكردستاني المعروف بالـ pkk ثانيها، وكلّ المطرودين من الجيش والأجهزة العسكرية التركية بعنوان الثأر وإضعاف أردوغان وضرب هيبته والاستقرار الأمني ثالثها، وأجهزة الاستخبارات المتعدّدة ومن ضمنها الأميركية، خاصة أنّ تركيا تحوّلت الى ساحة تجمّع للإرهابيين والمتخرجين من السجون من كلّ نفايات العالم الإجرامية.

هذه الفوضى إذا بقيت مستمرة على هذه الوتيرة، فإنها ستؤسّس لحرب داخلية كبرى في تركيا.

لم نسمع أيّ رأي لداعمي ما يُسمّى “الثورة السورية” لا في الخليج ولا في لبنان، فهل هم ضدّ سفاح اسطنبول، وهو من “داعش الثورة السورية” أم مع الضحايا… أم مع الاثنين معاً؟

كذلك لم نسمع أيّ استنكار أو إدانة لتنظيم داعش مباشرة، كما يفعل البعض ضدّ المقاومة الى اليوم… فربما هي ثورة مدلّلة، وقد زاد دلالها عن الحدّ نكاية بهذه المقاومة.

في مجمل القول تكمن الخشية اليوم، في ردّ أميركا على خسائرها في سورية عبر إشعال نار الفتن والإرهاب في الجزائر لاستكمال السيطرة على الشمال الأفريقي في ليبيا وتونس والجزائر. ففي ظلّ هذه المعادلات الدولية الجديدة تكون المصلحة الأميركية في تأمين السيطرة على أفريقيا لمحاصرة التمدّد الصيني واقتصادياته التي بدأت تتوسّع كبقعة الزيت، فعسى أن لا يعيد المستعمرون الغربيون المآسي الأمنية وعشرياتها السود في الجزائر، التي حصلت من العام 1991 إلى العام 2000.

الجزائر في خطر اليوم، وفي عين الاستهداف! والمشروع  الأميركي الاستعماري لا يستسلم أبداً، فتكفي معاناة الشرق وبلدانه من مشروعهم التدميري والمتصاعد حتى كتابة هذه السطور.

*إعلامي و كاتب سياسي – لبنان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى